في وسط الغرفة، تجلس على سرير بسيط حشرة ضخمة ذات هيئة بشرية: رأسها يشبه رأس حشرة بتفاصيل دقيقة كالعينين الكبيرتين والقرنين الطويلين، وجسدها مقسم كما لو كان مكسوًا بقشرة صلبة. أذرعها وساقاها طويلة ومفصلية، تتخذ وضعية تأمل أو انكسار.

“المسخ” إحدى روائع فرانز كافكا… عن قرب

يوسف الخطيب

ذات صباح، استيقظ العالم على صوتِ صرخة عظيمة، صرخة رجل عادي استيقظ من نومه ليجد نفسه قد تحوّل إلى حشرة هائلة، تلك الصرخة التي أطلقها فرانز كافكا في روايته “المسخ” ما زالت تتردد حتى يومنا هذا، تلاحقنا بقسوتها وصدقها وواقعيتها المفرطة رغم عبثيتها الظاهرة، لقد كانت هذه الصرخة لحظة فارقة في الأدب العالمي، ونقطة تحوّل جذرية في مفهوم الرواية ذاتها وما يمكن أن تقوله عن الواقع الإنساني.

هذه الصرخة لم تكن مجرد بداية رواية عبثية، بل كانت إعلاناً عن ميلاد نوع جديد من الأدب، أدب يواجه الإنسان بعزلته وغربته الوجودية، ويضعه أمام مرآة تعكس هشاشته وضعفه وإمكانية سقوطه المفاجئ في أي لحظة، عندما كتب كافكا هذه الجُملة البسيطة المدوية، “استيقظ جريجور سامسا ذات صباح على أحلام مثيرة للقلق، إذ وجد نفسه قد تحوّل إلى حشرة هائلة فظيعة”، لم يكن يعلم أنه يحفر في الذاكرة الإنسانية حفرة عميقة لا يمكن ردمها.

في تلك اللحظة من الزمن، في تلك الغرفة البائسة في براغ، بينما كان العالم منشغلاً بالحرب العالمية الأولى، كان كافكا يستكشف بهدوء وبساطة متناهية أكثر الأسئلة الإنسانية إيلاماً: ماذا لو تحوّل الإنسان إلى كائن آخر دون سبب واضح؟ كيف يتعامل مع جسده الجديد؟ وكيف يتعامل الآخرون معه؟ هل تبقى قيمته كإنسان موجودة؟ ما هي الحدود بين الإنسانية والوحشية؟ وهل المظهر الخارجي هو ما يحدد قيمتنا في هذا العالم؟

الحقيقة الصادمة التي يكشفها كافكا ببساطة مرعبة هي أنّ قيمة الإنسان في المجتمع الحديث لا ترتبط بكونه إنساناً، بل بمقدار فائدته الاقتصادية والاجتماعية، غريغور سامسا، هذا الشاب المخلص الذي أفنى شبابه في العمل من أجل إعالة أسرته، حين يفقد قدرته على العمل، يفقد في نفس اللحظة كل ما يربطه بالعالم الإنساني، أسرته، التي كان يعتقد أنها تحبه، تتخلى عنه بمجرد أن أصبح عالة عليها بدلاً من أن يكون معيلاً لها.

لقد حبس كافكا في هذه الرواية القصيرة كل القلق الإنساني المعاصر، وتمكّن بأسلوبه البسيط والمباشر من سبر أغوار النفس البشرية وما تخفيه من قسوة وأنانية، إنها قصة تحكي عن الاغتراب والوحدة والألم، تحكي عن إنسان يشهد تدريجياً كيف يتخلى عنه العالم بأكمله، حتى أقرب الناس إليه.

عندما أغمض غريغور سامسا عينيه للأبد في نهاية هذه الرواية المفجعة، كان يغمض عينيه من أجل أسرته، متخلياً عن حقه في الحياة كي تستمر عائلته، كانت آخر أفكاره مليئة بالحب والتضحية، بينما كانت عائلته تشعر بالارتياح بعد التخلص من هذا العبء الذي أربك حياتهم وأضر بمكانتهم الاجتماعية، هذه المفارقة القاسية هي أكثر ما يجعل رواية “المسخ” عملاً خالداً، لأنها تكشف بوضوح عن الفجوة الهائلة بين ما نراه في أنفسنا وما يراه الآخرون فينا.

هذه القصة، وضعت الحقيقة العارية أمام القارئ دون زخرفة أو تجميل، ودون توضيح مفرط أو شرح متكلّف، وتركت الفزع والرعب ينزلقان في الروح بهدوء، كما تنزلق سكين صغيرة بين الضلوع بدقة جراح ماهر، لأنّ الرعب الحقيقي لا يأتي صارخاً معلناً عن نفسه، بل يأتي صامتاً متسللاً إلى أعماقنا في غفلة منا.

لقد كان كافكا والمسخ مثل جبل جليدي عائم في محيط الأدب العالمي، ما نراه منه ليس سوى قمته الصغيرة، بينما يخفي تحت سطح الماء عالماً كاملاً من المعاني والدلالات التي يمكن أن نغوص فيها إلى ما لا نهاية، هذه الرواية بساطتها المرعبة ووضوحها القاتل أصبحت مرجعاً أساسياً للأدب العبثي، وأيقونة من أيقونات القرن العشرين الأدبية.

لم تكن “المسخ” مجرد رواية خيالية أو قصة غريبة، بل كانت صرخة احتجاج ضد عالم آلي فقد إنسانيته، عالم تحوّلت فيه العلاقات الإنسانية إلى مجرد معاملات اقتصادية نفعية، لقد كانت نبوءة عن ما سيحل بالإنسان المعاصر الذي يضحي بوجوده وروحه وصحته النفسية من أجل إرضاء متطلبات المجتمع الرأسمالي، غريغور سامسا ليس مجرد بطل لقصة غريبة، بل هو صورة لكل منا في لحظة ما، إنسان يجد نفسه غريباً في عالم لم يعد يفهمه أو يتقبّله.

تكمن قوة “المسخ” في أنها لا تهتم بتقديم تفسير منطقي لما حدث لبطلها، فالتحوّل غير قابل للتفسير، وهذا هو المرعب فيه، لا يمكننا أن نفهم لماذا تحوّل غريغور إلى حشرة، تماماً كما لا يمكننا في حياتنا الحقيقية أن نفهم لماذا تتبدل أحوالنا فجأة؟ أو لماذا تتغير نظرة المجتمع إلينا بين ليلة وضحاها؟، لماذا نصبح منبوذين أو غرباء أو غير مرغوب فيهم؟

الغرابة لا تكمُن في تحوّل غريغور إلى حشرة، بل في تقبّله لهذا التحوّل، في تعامله معه كأنه أمر عادي، كأنه في قرارة نفسه كان يتوقع ذلك، أو كأنه كان يشعر دائماً أنه لا يستحق أن يكون إنساناً، هذا الاستسلام الكامل للمصير القاسي هو ما يجعل الرواية مضنية ومؤلمة، فنحن نرى إنساناً يستسلم للعبثية بدلاً من أن يقاومها.

يتعامل كافكا مع الحدث الخيالي بواقعية مفرطة، وهذا ما يخلق ذلك التوتر المستمر في الرواية، لا يُظهر لنا غريغور دهشة من تحوّله، بل يظهر قلقاً من تأخره عن العمل بسبب هذا التحوّل، كأنّ الكارثة ليست في أنه أصبح حشرة، بل في أنه سيفقد وظيفته، هذا التشويه في سُلم الأولويات هو إدانة واضحة للمجتمع الذي جعل من العمل والإنتاجية قيمة أعلى من الإنسانية ذاتها.

عندما ننظر إلى “المسخ” من زاوية أخرى، نجد أنها أيضاً قصة عن ثقل المسؤولية العائلية، وكيف يمكن للتضحية من أجل العائلة أن تتحوّل إلى سجن، وكيف يمكن للحب أن يتحوّل إلى عبء، غريغور يُعيل عائلته، يضحي بنفسه من أجلهم، لكنه يكتشف في النهاية أنهم قادرون على العيش بدونه، بل وأنّ وجوده أصبح يُشكّل عائقاً أمامهم، هذه الصدمة القاسية التي تجعله يستسلم للموت في نهاية الرواية، ليس يأساً، بل حباً وتضحية أخيرة.

القوة الأساسية في هذه الرواية هي في صوت الراوي الهادئ، الذي ينقل لنا كل هذه الأهوال بهدوء وبساطة، دون مبالغة أو تهويل، يصف كافكا مشاعر غريغور وأفكاره ببساطة وصدق، يجعلنا نشعر بألمه وخيبته وانكساره، دون أن يلجأ إلى خطابية مفرطة أو دراما زائدة، هذا الهدوء في وجه العاصفة هو ما يجعل الرواية أكثر إيلاماً، وهو ما يميز أسلوب كافكا عموماً.

يحتضن كائن ذو هيئة حشرية ضخمة فتاة بشرية شابة برقة وحنان. الكائن يطوّقها بذراعه الطويلة المفصلية، بينما تميل الفتاة برأسها على صدره، مغلقة عينيها في استسلام هادئ، وتضع يدها على قلبها في إيماءة تعبّر عن الأمان أو التأمل.

“المسخ” هي رواية عن عالم تتخلى فيه الإنسانية عن معناها الحقيقي، عالم يصبح فيه الشكل أهم من الجوهر، والمنفعة أهم من الرحمة، إنها مرآة تعكس تناقضات المجتمع المعاصر وقسوته وعدم إنسانيته، لكن رغم كل هذا السواد، فإنّ الرواية لا تخلو من لمسات إنسانية رقيقة، من لحظات حب وحنين وأمل، لحظات تذكّرنا أنّ الإنسانية لا يمكن أن تموت تماماً، حتى في أحلك الظروف؟

تبقى مسألة التحوّل في “المسخ” مفتوحة على تأويلات لا نهاية لها، فهي يمكن أن ترمز إلى المرض، أو إلى الانهيار العصبي، أو إلى الشيخوخة المبكرة، أو حتى إلى الوعي السياسي المتطرف الذي يجعل الإنسان غريباً في مجتمعه، يمكن أن ترمز إلى كل ما يجعلنا مختلفين، كل ما يُخرجنا من السرب، كل ما يجعلنا غرباء.

لقد خلق كافكا عالماً كاملاً داخل غرفة واحدة، عالماً مليئاً بالتناقضات والمشاعر المعقدة والعلاقات المتشابكة، غرفة غريغور سامسا ليست مجرد مكان، بل هي حالة وجودية، تُمثل ذلك المكان الضيق الذي نجد أنفسنا محبوسين فيه حين نفقد صلتنا بالعالم من حولنا، إنها الزنزانة التي نضع فيها أنفسنا حين نشعر أننا لا ننتمي.

أثارت هذه الرواية تساؤلات أعمق بكثير من حجمها، تساؤلات حول طبيعة الإنسان، وعن علاقاته مع الآخرين، وعن قيمته في عالم مادي متغير، وعن إمكانية الاحتفاظ بالإنسانية في عالم تسوده الآلية والبيروقراطية، إنها رواية عن الاغتراب بكل أشكاله: الاغتراب عن الآخرين، عن العمل، عن الذات، وحتى عن الجسد.

غريغور سامسا هو رمز لكل شخص يجد نفسه فجأة خارج المعادلة الاجتماعية، إنه المريض الذي يصارع مرضاً مزمناً وتتغير نظرة أهله إليه، والمهاجر الذي يجد نفسه غريباً في بلد جديد، والإنسان الذي تغيّرت قناعاته فلم يعد ينتمي إلى محيطه، إنه أي شخص وجد نفسه يوماً في الجانب الخطأ من الخط الذي يفصل المقبول عن المنبوذ.

لكن العبقرية الحقيقية لكافكا لا تكمُن فقط في الفكرة الأساسية للرواية، بل في كيفية معالجتها، لم يكتف كافكا بطرح السؤال “ماذا لو تحوّل إنسان إلى حشرة؟”، بل تعمّق في تفاصيل هذا التحوّل: كيف يأكل؟ كيف ينام؟ كيف يتحرك؟ كيف يتواصل مع أسرته؟ هذه التفاصيل اليومية البسيطة هي ما يجعل الرواية أكثر واقعية وإيلاماً، فنحن نرى كيف تتبدل حياة إنسان بالكامل، لا في لحظات الأزمات والصدامات الكبرى فقط، بل في أدق تفاصيل الحياة اليومية.

هذا المزيج من الخيال المجنون والواقعية القاسية هو ما يميز عالم كافكا، عالم يبدو غريباً وبعيداً للوهلة الأولى، لكنك سرعان ما تكتشف أنه أقرب إلى واقعنا اليومي مما نظن، إنه عالم مرآة، يعكس حقيقتنا بطريقة مشوهة قليلاً، لكنها تكشف ما نحاول إخفاءه عن أنفسنا.

“المسخ” هي أيضاً رواية عن الفشل، فشل التواصل، فشل العلاقات الإنسانية، فشل المجتمع في احتواء المختلف، فشل الإنسان في الحفاظ على إنسانيته، غريغور يفشل في التواصل مع أسرته رغم أنه لا يزال يفهم ما يقولونه، لكنهم لا يفهمونه، يفشل في إثبات أنه لا يزال هو نفسه، أنه لا يزال يحمل روح وقلب وعقل إنسان، رغم أنه محبوس في جسد حشرة.

في هذا العمل الرائع، يُعبر كافكا عن الوحدة القاتلة التي تنتج عن العجز عن التواصل، غريغور محاط بعائلته، لكنه وحيد تماماً، لا يستطيع التحدث إليهم، ولا يستطيع التعبير عن مشاعره، ولا يستطيع إخبارهم أنه لا يزال يحبهم، هذه العزلة القاتلة التي تتفاقم يوماً بعد يوم، حتى تصل إلى لحظة الانكسار النهائي.

الرواية تطرح أيضاً سؤالاً عميقاً حول إمكانية التغيير الحقيقي، غريغور لم يتغيّر جوهرياً، بل تغيّر مظهره فقط، لكن هذا التغيير الخارجي كان كافياً لإحداث انقلاب في حياته وعلاقاته، هذا يدفعنا للتساؤل: هل نحن حقاً من نعتقد أننا نحن، أم أننا ما يرانا الآخرون عليه؟ هل هويتنا محددة بشكلنا ووظيفتنا وفائدتنا للآخرين، أم أنها شيء أعمق وأكثر ثباتاً؟

رواية “المسخ” تمثل أيضاً انتقاداً لاذعاً للرأسمالية والبيروقراطية التي تحوّل البشر إلى آلات إنتاج، وحين تتوقف هذه الآلات عن العمل، تفقد قيمتها، غريغور كان مجرد ترس في ماكينة كبيرة، وحين توقف عن العمل، أصبح قطعة غيار معطلة يجب التخلص منها، هذه النظرة الآلية للإنسان هي ما ينتقده كافكا بشدة في أعماله جميعها.

ما يميز هذه الرواية عن غيرها هو قدرتها على الجمع بين العناصر الواقعية والخيالية، بين النقد الاجتماعي والاستبطان النفسي، بين الفكر الفلسفي والسرد القصصي، كل ذلك في بناء سردي متماسك وبسيط في آن واحد، هذه القدرة على الجمع بين المتناقضات هي ما جعل كافكا واحداً من أعظم كتّاب القرن العشرين، وما جعل “المسخ” واحدة من الروائع الخالدة في تاريخ الأدب.

نجح كافكا في “المسخ” في تقديم نموذج فني بديع لما أسماه النقاد لاحقاً “الكافكاوية”، تلك الحالة المميزة من الغرابة والعبثية والكابوسية التي تكشف لنا جانباً مظلماً من واقعنا لم نكن ننتبه إليه، ويجعلنا نرى العادي على أنه غريب، والمألوف على أنه مخيف، وهذه هي قوة الأدب الحقيقية.

عندما ننتهي من قراءة “المسخ”، نجد أنفسنا نتساءل: هل نحن بالفعل أفضل من عائلة سامسا؟ هل نحن أكثر إنسانية في تعاملنا مع المختلف؟ هل نحن قادرون على رؤية الإنسان الحقيقي خلف المظاهر والأشكال الخارجية؟

هذه الأسئلة الصعبة هي ما تتركه “المسخ” في نفوسنا، وهي ما يجعلها رواية خالدة، لأنها لا تُخبرنا فقط عن قصة غريغور سامسا، بل تُخبرنا عن قصتنا نحن، عن قصة الإنسانية جمعاء في مواجهة اغترابها وعزلتها ووحدتها في عالم مادي قاسٍ وبارد، وصرخة تُذكّرنا أنّ ما يجعلنا بشراً ليس شكلنا الخارجي، ولا قدرتنا على العمل والإنتاج، بل قدرتنا على الحب والتضحية والشعور بالألم والفرح، صرخة تُذكّرنا بأننا قد نستيقظ في أي يوم لنجد أنفسنا قد تحوّلنا إلى شيء آخر، وأنّ قيمتنا الحقيقية تكمُن في مواجهة هذا التحوّل بشجاعة وإنسانية.

أراد كافكا أن تُحرق كل أعماله بعد وفاته، لكن صديقه “ماكس برود” خان وصيته ونشر رواياته، ومن بينها “المسخ”، وكأنّ كافكا كان يُدرك أن ما كتبه أكبر وأعمق من أن يتحمله العالم، كأنه كان يخشى أن يرى العالم انعكاس صورته الحقيقية في مرآة أعماله، لكن “برود” أدرك أنّ العالم بحاجة إلى هذه المرآة، بحاجة إلى رؤية حقيقته المخيفة ليتمكّن من تغييرها.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.