رجل يجلس منهكاً أمام ورقة بيضاء على طاولة خشبية، تحت ضوء مصباح خافت، يعاني من انسداد الكتابة. الصورة تعبّر عن لحظة صراع داخلي بين الرغبة في التعبير وعجز الكلمات عن المجيء.

إمبرتو إيكو: أربع قواعد لتحويل الفكرة إلى نص حي

محمد البلوشي

“الكتابة سهلة في البداية، تجلس أمام الورقة وتريد أن تبدأ، لكن الورقة تظل فارغة، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية”.

هكذا تحدث إمبرتو إيكو ذات مرة عن الكتابة، وهو يعرف ما يقول، الرجل الذي أعطانا “اسم الوردة” و”بندول فوكو” لم يكن مجرد روائي، بل كان عالم سيمياء وفيلسوف وناقد أدبي عرف كيف يحوّل المعرفة النظرية إلى حرفة عملية، عندما وضع قواعده الأربعة لكتابة الخيال الإبداعي، لم يكن يتفلسف أو يتنظر، بل كان يقدم خبرة عقود من الكتابة والتحليل الأدبي في وصفات بسيطة وحاسمة.

القاعدة الأولى تبدو بسيطة: تجنب التكرار المفرط، لكن البساطة خداعة هنا، إيكو لا يتحدث عن تكرار الكلمات فحسب، بل عن تكرار الأفكار والصور والمشاعر، عندما تكتب جملة، ثم تعيد كتابة نفس الجملة بكلمات مختلفة في الفقرة التالية، فأنت تخون القارئ، تسرق منه الوقت وتملأ الصفحة بالفراغ المقنع بكلمات، الكاتب الحقيقي يعرف أنّ كل جملة يجب أن تحمل معلومة جديدة، أو تطوّر فكرة موجودة، أو تدفع الحدث خطوة إلى الأمام، أي شيء آخر سيكون بلا قيمة.

القاعدة الأولى: محاربة التكرار

التكرار عدو الكاتب الخفي، يتسلل إلى النص مثل الصدأ، ببطء ودون أن نلاحظ، نكتب فقرة جميلة عن الحزن، ثم نكتب فقرة أخرى عن نفس الحزن بطريقة مختلفة قليلاً، ظناً منا أننا نعمّق المعنى، لكننا في الحقيقة نُخففه، إيكو يعرف هذا لأنه عاش مع النصوص طويلاً، قرأ آلاف الكتب وكتب العشرات منها، رأى كيف يمكن لفكرة واحدة قوية أن تحمل رواية بأكملها إذا عرفت كيف تطوّرها دون أن تكررها.

لكن التكرار ليس مجرد إعادة قول نفس الشيء، هناك تكرار الشخصيات التي تتصرف بنفس الطريقة في كل موقف، وتكرار الحوارات التي تدور حول نفس النقطة دون أن تصل إلى مكان جديد، وتكرار المشاهد التي تُعيد تأكيد ما نعرفه بالفعل عن الشخصية أو الموقف، الكاتب الجيد يعرف متى يقول الشيء مرة واحدة ويتحرك، يثق في ذكاء القارئ وقدرته على الفهم، لا يشرح النكتة بعد أن يحكيها، ولا يُعيد وصف المشهد في الصفحة السابقة.

في رواية “غاتسبي العظيم” لـ سكوت فيتزجيرالد:

“كان صوت ديزي كالسِحر، أشبه بنغمة نبيذٍ قديم لا يُنسى.”

هذه الجملة المفردة تكشف سحر ديزي وتأثيرها، ولا يُعيد الكاتب وصف صوتها عشرات المرات بعد ذلك، بل يترك للقارئ أن يتذكّر هذا الوصف كلما ظهرت ديزي وتكلمت.

القاعدة الثانية: الاقتصاد في الصفات

الصفات مثل التوابل، قليل منها يضفي طعماً رائعاً على الطبق، وكثير منها يفسده تماماً، إيكو يحذر من استخدام الصفات غير الضرورية لأنه يعرف أنّ الكاتب المبتدئ غالباً ما يظن أنّ كثرة الصفات تعني ثراء الوصف، يكتب عن “الليل الأسود الحالك الكئيب المظلم” بدلاً من أن يكتب “الليل” ويترك للسياق أن يحدد طبيعة هذا الليل، الصفة الجيدة هي التي تضيف معلومة لا يمكن استنتاجها من السياق، أو التي تخلق صورة مفاجئة ومثيرة في ذهن القارئ.

عندما تكتب “المنزل الكبير”، أنت لا تقول شيئاً مهماً إلا إذا كان حجم المنزل مهماً للقصة، لكن عندما تكتب “المنزل الذي يبدو وكأنه يحدق بك”، فأنت تخلق صورة وتثير مشاعر وتحدد علاقة بين الشخصية والمكان، الفرق بين الصفة المفيدة والصفة المهدرة هو الفرق بين الأداة والزينة، الكاتب الحرفي يستخدم الصفات كأدوات لبناء المعنى، لا كزينة لتجميل النص، كل صفة يجب أن تؤدي وظيفة، وإلا فهي تشغل مساحة يمكن استخدامها لشيء أكثر أهمية.

في رواية “رجال وفئران” لـ جون شتاينبك:

“امتدّ النهر عميقاً وأخضر.”

جملته مختصرة، صفاته محدودة: صفتان فقط، لكنه خلق مشهداً حسياً كاملاً دون أن يضيف: “هادئ، نقي، جميل، دافئ، متلألئ…”

رجل جالس في غرفة معتمة، يحمل سماعة هاتف قديم بيد مرتجفة ونظرات شاردة يملؤها الانتظار.
الصمت يملأ المشهد، كأن اللحظة معلّقة بين فقدٍ لم يُقال وكلمة لن تأتي.

القاعدة الثالثة: ضبط المشاعر

هذه القاعدة الأصعب والأكثر إثارة للجدل، يقول إيكو: تجنب استخدام المشاعر كلما أمكن، لا يعني هذا أنّ النص يجب أن يكون بارداً أو خالياً من الإنسانية، بل يعني أنّ المشاعر يجب أن تنبع من الأحداث والشخصيات والمواقف، لا أن تُقال مباشرة، وبدلاً من أن تكتب “كان حزيناً جداً”، اجعل القارئ يشعر بالحزن من خلال تصرفات الشخصية وكلماتها وصمتها، المشاعر المباشرة مثل الموسيقى الصاخبة – تبدو قوية في البداية لكنها سرعان ما تصبح مُملة ومُتعبة.

الكاتب الماهر يعرف أنّ المشاعر الحقيقية تحدث في الفراغات بين الكلمات، في ما لا يُقال أكثر مما يُقال، عندما تكتب عن شخص فقد أباه، لا تحتاج أن تقول “شعر بحزن عميق” أو “كان قلبه يتمزق من الألم”، وبدلاً من ذلك، اكتب كيف نسي أن يحلق لثلاثة أيام، أو كيف بدأ يتجنب المطعم الذي كان يذهب إليه مع أبيه، أو كيف صار ينظر إلى هاتفه كل خمس دقائق كما لو كان ينتظر مكالمة لن تأتي أبداً، هكذا تخلق المشاعر دون أن تسميها، تجعل القارئ يعيشها بدلاً من أن تخبره عنها.

في رواية “الطريق” لـ كورماك مكارثي:

“لفّ الجسد ببطانية، ودفنه في الغابة.”

لا يقول: “شعر بالحزن العميق واليأس، وبكى طويلاً…”
بل يقدّم فعلاً بسيطاً صامتاً: دفن رجل في الغابة، وحده المشهد، بفقره اللغوي، يترك أثراً عاطفياً أقوى من مئات الجُمل المباشرة.

القاعدة الرابعة: دقة الكلمة

الكلمة الصحيحة هي كل شيء، إيكو يشدد على أهمية اختيار الكلمة الدقيقة لا الكلمة القريبة أو المناسبة أو الجميلة، الفرق بين الكلمة الصحيحة والكلمة الخطأ هو الفرق بين البرق والبرقع كما قال مارك توين، عندما تبحث عن كلمة لتصف شيئاً، لا تختر أول كلمة تخطر ببالك أو أجمل كلمة تعرفها، بل اختر الكلمة التي تحمل المعنى الدقيق الذي تريده، هذا يتطلب وقتاً وصبراً وثقافة واسعة، لكنه الفرق بين الكتابة الجيدة والكتابة العظيمة.

الكلمة الدقيقة لا تعني الكلمة المعقدة أو النادرة، أحياناً تكون الكلمة البسيطة هي الأدق، المهم أن تحمل الكلمة المعنى الذي تريده بالضبط، وأن تناسب سياق الجملة ونبرة النص وشخصية المتحدث إذا كان هناك متحدث، الكاتب الذي يتقن هذه القاعدة يصبح مثل النحات الذي يعرف أين يضع كل ضربة إزميل، كل كلمة في مكانها الصحيح، وكل جملة تؤدي وظيفتها دون إفراط أو تفريط.

في رواية “المحبوبة” لـ توني موريسون:

“ليست قصة يجب تناقلها.”
استخدام فعل “تناقل” يتضمّن المعنيين: أن تُروى، وأن تُنسى أو تُتجاوز.
كلمة واحدة تحمل في طيّاتها عبئاً أخلاقياً وثقافياً وشخصياً، خاصة في سياق العبودية والذاكرة.

هذه القواعد ليست قيوداً بل أدوات تحرير، مثل قواعد البحر التي تعلّم البحار كيف يُبحر بأمان، تعلّم هذه القواعد الكاتب كيف يُبحر في محيط اللغة دون أن يضيع أو يغرق، الكاتب المبتدئ قد يشعر أنّ هذه القواعد تقيّد إبداعه، لكن الكاتب المتمرس يعرف أنها تُحرره من العشوائية والإسراف اللغوي الذي يشتت انتباه القارئ عن جوهر القصة.

عندما تجلس لتكتب، اجعل هذه القواعد مثل برنامج مراجعة تلقائي، اسأل نفسك مع كل فقرة: هل كررت فكرة قلتها من قبل؟ هل استخدمت صفات لا تضيف شيئاً جديداً؟ هل قلت المشاعر مباشرة بدلاً من أن أجعل القارئ يشعر بها؟ هل اخترت الكلمة الدقيقة أم اكتفيت بالكلمة القريبة؟ هذه الأسئلة ستصبح عادة مع الوقت، وستجد نفسك تطبق القواعد دون تفكير واع.

بالتأكيد، لم يضع إيكو هذه القواعد لتكون مقدسة أو نهائية، وضعها لتكون دليلاً للكاتب الذي يريد أن يحسّن حرفته، القواعد يمكن كسرها، لكن فقط عندما تعرف لماذا تكسرها وماذا ستحقق من كسرها، الكاتب الذي يتقن القواعد يستطيع أن يخرج عليها بوعي وهدف، أما الكاتب الذي لا يعرفها فيكسرها بجهل ويُضعف نصّه دون أن يدري.

الكتابة حرفة قبل أن تكون فناً، والحرفة تحتاج إلى قواعد وانضباط وممارسة طويلة، عرف إيكو هذا من خبرته الطويلة مع النصوص، كقارئ وناقد وكاتب، رأى آلاف النصوص الجيدة والرديئة، وعرف ما الذي يجعل النص حيوياً وفاعلاً وما الذي يجعله يموت على الورق، قواعده الأربعة خلاصة هذه الخبرة، محددة في وصفات بسيطة يمكن لأي كاتب أن يتعلّمها ويطبقها.

الكتابة الجيدة مثل الطبخ الجيد – تحتاج إلى مكونات طازجة ووصفة مجربة ويد ماهرة، قواعد إيكو الأربعة هي الوصفة، واللغة هي المكونات، أما اليد الماهرة فتأتي مع الممارسة والصبر، لا تتوقع أن تتقن هذه القواعد من المحاولة الأولى، الكتابة مثل أي حرفة أخرى، تحتاج إلى سنوات من التمرين والخطأ والتصحيح، لكن مع الوقت والممارسة، ستجد أنّ هذه القواعد صارت جزءاً منك، تُطبقها دون تفكير وتكسرها بوعي عندما تحتاج إلى ذلك.

الهدف من الكتابة ليس إثبات الذكاء أو استعراض المفردات، بل التواصل مع القارئ وإثارة مشاعره وأفكاره، قواعد إيكو تساعدك على تحقيق هذا الهدف بأقل قدر من الضوضاء وأكبر قدر من الوضوح، تعلّمك كيف تقول ما تريد قوله دون أن تضيع في متاهات اللغة أو تغرق في بحر الكلمات غير الضرورية، وهذا، في النهاية، ما تعنيه الكتابة الحقيقية.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق