أيمن زيدان
الكتابة، في جوهرها العميق، طقس وجودي يومي، وشعيرة خاصة نؤديها للبقاء أحياء في عالم يحاول باستمرار أن يقتل الحساسية فينا، حين أجلس كل صباح في المكان ذاته، في الساعة ذاتها، فإنني لا أستدعي الإلهام كما يفعل الكثيرون، بل أستدعي نفسي، تلك الذات الأصيلة التي تختبئ خلف ضجيج اليوم وتفاهة الأحاديث العابرة، فليس الإلهام ضيفاً كريماً يزورنا متى شاء، بل هو نتيجة طبيعية للحضور، للانتباه، للاستعداد الدائم، والكاتب الحقيقي لا ينتظر أن تأتيه الفكرة، بل يهيئ لها المكان والزمان والحالة، يصبح مثل الراهب الذي يعرف أنّ الصلاة ليست في الكلمات التي يقولها، بل في الحالة التي يكون فيها حين يقولها.
الروتين، تلك الكلمة التي يخشاها الكثيرون ويعتبرونها عدوة الإبداع، هو في الحقيقة أعظم أصدقاء الكاتب، ليس لأنه يضمن الكتابة الجيدة، بل لأنه يضمن الكتابة نفسها، في عالم نغرق فيه بالقرارات الصغيرة التي تستنزف طاقتنا، يأتي الروتين كمنقذ، كطريق واضح في غابة من الضوضاء، عندما تقرر أن تكتب كل يوم في الساعة السادسة صباحاً، فإنك لا تتخذ قراراً واحداً، بل تلغي آلاف القرارات الصغيرة التي كان يمكن أن تشتت ذهنك، لا تسأل نفسك: “هل أكتب اليوم؟” أو “متى أكتب؟” أو “أين أجلس؟” كل هذه الأسئلة محسومة مسبقاً، والطاقة محفوظة للسؤال الوحيد المهم: “ماذا أكتب؟”، هذا التحرر من صغائر القرارات يشبه ما يحدث للعازف المحترف الذي لا يفكر في أصابعه وهو يعزف، بل يغرق في الموسيقى نفسها، الروتين يحوّل الكتابة من فعل واعٍ مرهق إلى تدفق طبيعي، مثل النهر الذي حُفر مجراه عبر السنين ولم يعد يحتاج للتفكير في الاتجاه.
لكن علينا أن نفهم أنّ الروتين الذي نتحدث عنه ليس سجناً، بل الطقس ذاته، الفرق بينهما دقيق لكنه حاسم: السجن يُفرض عليك من الخارج، أما طقسك الداخلي فتختاره بحرية، تدخله بإرادتك، وتخرج منه مفعماً بالنشاط، الدماغ البشري، ذلك الجهاز المعقد الذي يحكم وجودنا، له طبيعة غريبة: يحب الجديد ويخاف منه في الوقت نفسه، يحب الجديد لأنه يثير فضوله، ويخاف منه لأنه يستهلك طاقة أكثر، لهذا نجده يميل دائماً إلى المألوف، إلى الطرق التي سار عليها من قبل، إلى الأنماط المكررة، عندما نفهم هذه الحقيقة، نستطيع أن نستغلها لصالحنا، بدلاً من محاربة طبيعة الدماغ، نتحالف معها، نجعل الكتابة جزءاً من الأنماط المألوفة، نربطها بإشارات ثابتة: فنجان القهوة، الكرسي المعتاد، الساعة المحددة، الطقس الخاص، هكذا يصبح الدماغ حليفنا في الكتابة، لا عدونا.
هذا ما يسميه علماء النفس “التحفيز المرتبط”، وهو آلية قوية جداً في تشكيل السلوك، عندما نكرر ربط فعل الكتابة بسلسلة من الإشارات المحددة، يتعلّم الدماغ أنّ هذه الإشارات تعني وقت الكتابة، فيبدأ في تهيئة نفسه لها قبل أن نجلس إلى المكتب، الجسد يسترخي، الذهن يصفو، الكلمات تبدأ في التجمّع في أطراف الوعي، كل شيء يصبح جاهزاً للبدء، لكن بناء هذا النمط يحتاج إلى صبر وحكمة، فالعادة لا تُصنع في يوم واحد أو أسبوع، بل تحتاج إلى أسابيع وربما شهور من التكرار المتواصل، والأهم من ذلك، أنها تحتاج إلى لطف مع النفس، إلى تفهّم للأيام الصعبة التي لا تأتي فيها الكلمات، إلى مرونة تسمح بالتوقف عند الحاجة دون الشعور بالذنب، الكاتب الحكيم لا يعامل نفسه كآلة، بل كإنسان له مواسم وحالات مختلفة، يعرف أنّ هناك أياماً تتدفق فيها الكلمات كالنهر، وأخرى تخرج فيها بصعوبة كقطرات من صخرة، في كلا الحالين، المهم هو الحضور، الجلوس، المحاولة، النتيجة أقل أهمية من الفعل نفسه، وهنا تكمن الحكمة العميقة للكتابة اليومية، إنها عن الحياة نفسها، وليست عن الكتابة فقط، عندما نتعلّم كيف نلتزم بشيء صغير كل يوم، نتعلّم كيف نلتزم بأنفسنا، كيف نحترم وعودنا الصغيرة، كيف نبني شيئاً جميلاً من تراكم الأيام العادية، وتصبح الكتابة مرآة لعلاقتنا بالزمن، بالمسؤولية، بأنفسنا، فالكاتب الذي يجلس كل يوم ليكتب، حتى لو لم ينتج شيئاً عظيماً، يتعلّم شيئاً أعظم من الكتابة، يتعلّم كيف يكتسب الثقة بنفسه، كيف يوفي بوعده، كيف يبني شيئاً بصبر وثبات.
وهنا نصل إلى البعد النفسي العميق للكتابة اليومية، من إعادة ترتيب الفوضى الداخلية، من إعطاء شكل للأحاسيس المبهمة والأفكار المتناثرة، عندما نكتب عن تجربة مؤلمة، فإننا لا نسجلها فقط، بل نعيد بناءها، نحوّلها من كتلة صماء من الألم إلى قصة لها بداية ووسط ونهاية، هذا التحوّل من الفوضى إلى النظام له قوة شفائية عميقة، الكتابة تجعلنا نرى الألم من الخارج، نفهمه، نتعامل معه كشيء له حدود وليس كشيء يبتلعنا، وهذا ما يفسر لماذا تُستخدم الكتابة في العلاج النفسي، ليس لأنها تمحو التجارب الصعبة، بل لأنها تغير علاقتنا بها، الحدث المكتوب يصبح أقل رعباً من الحدث المكتوم، المشاعر المكتوبة تصبح أكثر وضوحاً من المشاعر المدفونة، الأفكار المكتوبة تصبح أسهل للفهم من الأفكار المبعثرة في الرأس.
لكن هذه العملية تتطلب شجاعة نادرة، شجاعة مواجهة الذات دون رتوش، شجاعة قول الحقيقة حتى لو كانت مؤلمة، شجاعة الكتابة السيئة والأخطاء والمحاولات الفاشلة، الكاتب الحقيقي لا يخاف من أن يبدو أحمقاً على الورق، لأنه يعرف أنّ الحماقة المكتوبة أكثر حكمة من الحكمة الصامتة، المكان له سحر خاص في عملية الكتابة، ليس المقصود أن يكون المكان فخماً أو جميلاً، بل أن يكون خالصاً لهذا الغرض وحده، عندما نختار ركناً معيناً للكتابة، كرسياً محدداً، مكتباً خاصاً، فإننا نقدس هذا المكان، نحوّله من مجرد أثاث إلى طقس للإبداع، هذا المكان يحمل ذاكرة الجلسات السابقة، يشّع بطاقة الكلمات التي وُلدت فيه، يصبح مشحوناً بالإمكانيات، مجرد الجلوس فيه يرسل إشارة للدماغ، هنا نكتب، هنا نبدع، هنا نكون أنفسنا الحقيقية.
الزمن أيضاً له قدسيته الخاصة، الكتابة في الساعة السادسة صباحاً تختلف تماماً عن الكتابة في منتصف النهار أو المساء، الصباح الباكر له سكينة خاصة، الذهن يكون أكثر صفاءً، العالم الخارجي أكثر هدوءاً، الأصوات الداخلية أكثر وضوحاً، إنه الوقت الذي يسبق امتلاء الرأس بشواغل اليوم، الوقت الذي نكون فيه أقرب إلى أنفسنا الحقيقية، ومع هذا، فليس كل الكتّاب يكتبون في الصباح، وليس كل الأوقات متساوية لكل شخص، ولهذا من المهم العثور على الوقت الذي يناسبك، الوقت الذي تشعر فيه بأنك أكثر صدقاً، أكثر انتباهاً، أكثر استعداداً للغوص في أعماق نفسك، التوقيت المناسب هو ذلك الذي تستطيع أن تحافظ عليه، أن تحميه من التدخلات الخارجية، أن تجعله مقدساً لا يُمس، إنه موعدك مع نفسك، أهم موعد في اليوم، الموعد الذي لا يُلغى أو يُؤجل مهما حدث.

الانضباط في الكتابة ليس قسوة مع النفس، بل لطف عميق معها، عندما نلتزم بالكتابة اليومية، فإننا نقول لأنفسنا: “أنت مهم، أفكارك تستحق أن تُسمع، مشاعرك تستحق أن تُعبر، تجاربك تستحق أن تُحكى”، إنه فعل محبة، فعل إيمان بقيمة الذات وأهمية الصوت الداخلي، هذا الالتزام يُعلّمنا درساً أعمق من الكتابة، يُعلّمنا كيف نحب أنفسنا حباً حقيقياً، ليس الحب الأعمى الذي يدلل ويسامح كل شيء، بل الحب الحكيم الذي يطالب بالأفضل، الذي لا يقبل بأقل مما نستحق، الذي يؤمن بإمكانياتنا حتى عندما لا نؤمن نحن بها، الكتابة اليومية تصبح ممارسة روحية، طقس تطهير من ضجيج العالم وسطحية الأحاديث اليومية، في عالم يحاول باستمرار أن يشتت انتباهنا، أن يملأ عقولنا بالتافه والعابر، تصبح الكتابة فعل مقاومة، فعل إصرار على الحفاظ على العمق، على الأصالة، على الحساسية.
عندما نكتب، فإننا نقول للعالم: “لن أسمح لكم بأن تجعلوني سطحياً، لن أقبل بأن أعيش على الهامش، لن أرضى بأن أكون صدى لأصوات الآخرين”، الكتابة تعيدنا إلى أنفسنا، تذكرنا بمن نحن حقاً تحت كل الأقنعة التي نرتديها في النهار، كما أنّ الحياة خارج الكتابة ليست عدوة للكتابة، بل هي مادتها الخام، الكاتب الحكيم لا يعيش في برج عاجي، بل يخرج إلى العالم، يحب، يتألم، يفرح، يخيب ظنه، يأمل، كل هذه التجارب تتراكم في الذاكرة كالوقود، يوماً ما ستحتاج إليها، ستجد أنّ تلك المحادثة العابرة في المقهى، أو ذلك المنظر من نافذة القطار، أو تلك الدمعة التي سقطت دون أن تدري لماذا، كل هذا سيجد طريقه إلى الكتابة.
وقد يعتقد البعض أنّ الراحة خيانة للكتابة، وليست جزءاً منها، والحقيقة أنّ الكاتب المُرهق لا ينتج إبداعاً حقيقياً، بل كلمات ميتة، ولهذا، النوم الكافي، النزهة في الطبيعة، الحديث مع الأصدقاء، القراءة للآخرين، كل هذا ليس وقتاً ضائعاً، بل استثمار في الكتابة القادمة، الكتابة مثل البئر: كلما أخذت منها، احتجت لأن تعطيها وقتاً لتمتلئ مرة أخرى، الكاتب الذي يكتب باستمرار دون توقف يشبه من يريد أن يستخرج الماء من بئر جافة، لابد من فترات صمت، فترات تأمل، فترات عيش حقيقي بعيداً عن الكلمات، فالكتابة اليومية ليست مجرد عادة أو تقنية لزيادة الإنتاجية، بل هي طريقة حياة، فلسفة في التعامل مع الوجود، إيمان بأنّ الكلمات قادرة على تغيير العالم، أو على الأقل قادرة على تغييرنا نحن.
الروتين، بكل بساطته الظاهرية، يحمل في طياته سراً عميقاً، يعلّمنا كيف نبني شيئاً جميلاً من الأيام العادية، كيف نصنع المعجزة من التكرار، كيف نحوّل المألوف إلى شيء مقدس، والكاتب الذي يجلس كل يوم ليكتب، حتى لو لم يكتب شيئاً مهماً، يفعل شيئاً أكثر أهمية من الكتابة، يحافظ على إيمانه بقيمة الكلمة، بأهمية الصوت الداخلي، بضرورة الحفاظ على الخصوصية في عالم يحاول أن يجعلنا جميعاً متشابهين.
هكذا، في الصباح الباكر، أو المساء، أو في أي وقت آخر تختاره، اجلس إلى مكتبك، أمسك بالقلم أو اطبع على لوحة المفاتيح، واكتب، ليس لأنك مضطر، بل لأنك اخترت أن تكون كاتباً، وهذا ما يفعله الكتّاب، يكتبون، كل يوم، في المواسم كلها، في الحالات كلها، لأنهم يعرفون أنّ الكتابة ليست مهنة أو هواية، بل طريقة للبقاء أحياء، طريقة لقول: “أنا هنا، وهذا صوتي، وهذه حقيقتي”.


أضف تعليق