عبدالله عباس
في زحمة الحياة اليومية، وبين مسؤوليات العمل والأسرة والواقع، يتسلل إلينا أحياناً سؤال بسيط لكنه عميق: ماذا حدث لذلك الطفل الذي كنّا عليه يوماً؟ أين اختفى ذلك الكائن الصغير الذي كان يندهش من قطرة مطر تسقط على زجاج النافذة، ويضحك من دون مبرر، ويؤمن أنّ كل حَجر في الطريق يُخفي شيئاً، وأنّ العالم بأسره عبارة عن حكاية تنتظر أن تُروى؟ هذا السؤال لا ينبع من حنينٍ عابر للماضي، بل من شعور خفي بأنّ شيئاً فينا قد ضاع، شيئاً كان يمنح الحياة معنى لم نعد نراه بالعين نفسها.
تعيش الطفولة داخل كلّ شخص فينا، ليست مجرد مرحلة زمنية تنتهي بانقضاء سنواتها الأولى، بل هي طاقة شعورية عميقة تسكن في داخلنا، تعيش في طريقة نظرتنا الأولى للأشياء، في تلك القدرة النادرة على الدهشة، في الشغف بالأسئلة التي لا نعرف لها إجابة، وفي صدق المشاعر التي لا تخضع لحسابات المنطق، وضغط التوقعات الاجتماعية وأعباء الحياة، يبدأ هذا الطفل بالاختباء في الزوايا المظلمة، حتى نكاد ننسى أنه كان موجوداً ذات يوم، والمشكلة أننا لا نلاحظ هذا الفقدان إلا حين نكتشف أننا لم نعد نشعر بما كنا نشعر به، ولم نعد نرى الحياة كما كنا نراها.
في رواية “الأمير الصغير” لأنطوان دو سانت إكزوبيري، يطلب الطفل من الطيار أن يرسم له خروفاً، الطيار يرسم له صندوقاً ويقول إنّ الخروف في الداخل، يبتسم الطفل برضا، هذه اللحظة البسيطة تُجسّد جوهر الطفولة: الإيمان بالخيال، والقبول بما لا يُرى، إنّها لحظة تذكّرنا أنّ الطفل لا يقيس الأمور بمنطق الكبار، بل بإحساسه الحي، وهذا هو ما يفقده الإنسان البالغ غالباً.
الطفل الذي بداخلنا يرى ما لا يراه الكبار: لا يرى قبعة كما يظنون، بل يرى الفيل داخل الأفعى، ويتأمل العالم بعين تختلف عن تلك التي اعتادت التصنيف والتجاهل والانشغال، بل بعين تشعّ دهشةً وفضولاً، هو الذي يبتسم للشمس كل صباح وكأنها تُشرق خصيصاً له، يكلّم الزهور كما لو كانت صديقات قديمات، ويظن أنّ النجوم تضحك في الليل، لا ليلاً فلكياً فحسب، بل ليلاً داخلياً يضيء بالعجب والحنين، هذا الطفل يسكننا في العمق، في صمت لا يسمعه سوى من ما زال قادراً على الإصغاء، لكنه حين يُهمّش أو يُخنق تحت ركام الرشد الزائف والمنطق الصارم وأعباء الحياة، يبدأ الضوء في أرواحنا بالخبو شيئاً فشيئاً، فلا نفقد الدهشة فقط، بل نفقد جوهر الرؤية نفسها، تلك النظرة الأولى البكر التي كانت ترى في كل زهرة حكاية، وفي كل ظل احتمالاً، وفي كل لحظة معنى، حين يخبو صوت هذا الطفل، لا نصبح أكثر نضجاً، بل نصبح أكثر بُعداً عن ذاتنا الأصلية، عن ذلك الإنسان الذي كان يؤمن بالسحر ويعيش الحب كأنه ولادته الأولى.
تكرّرت صورة “الطفل الداخلي” في كثير من الأعمال الأدبية العالمية. فـ”بيتر بان”، ذاك الفتى الذي رفض أن يكبر، يرمز إلى الأمل في الحفاظ على براءة الطفولة، وفي رواية “زوربا اليوناني” لنيكوس كازانتزاكيس، نجد شخصية تحتفي بالحياة بعفوية الطفل، بالرغم من التجارب المؤلمة، زوربا لا يقرأ الكتب، لكنه يعرف كيف يرقص، يضحك، يحب، إنه رجل يملك قلب طفل، وروح حكيم.
أدب الكبار المليء بالفلسفة والمآسي كثيراً ما يلجأ إلى الطفولة ليجد فيها مهرباً من قسوة الواقع، وكأنّ العودة إلى الطفولة هي استعادة للبساطة المفقودة، ولرؤية الأشياء كما هي، دون تزييف أو تجميل.
في مجتمعاتنا، كثيراً ما يُقدَّم النضج على أنه تخلٍّ عن العفوية، ويُختزل العقل في كونه نقيضاً للخيال، ويُنظر إلى اللعب كترفٍ طفولي لا يليق بالكبار، يُقتل الطفل الذي بداخلنا على مراحل، بصيغٍ مألوفة تَخترقنا منذ الصغر: “كن رجلاً، لا تبكِ”، “الكبار لا يلعبون”، “كفى أحلاماً وكن واقعياً”، ومع كل تكرار لهذه العبارات، يتقزّم ذلك الكائن الحُر في دواخلنا، ونبدأ بالتآلف مع صورةٍ باهتة عن أنفسنا، نضحك دون أن نضحك، ونعيش دون أن نشعر بصدق اللحظة، حتى تبدو الحياة وكأنها تمرّ بنا لا فينا، في البحث عن الزمن المفقود، يصوّر مارسيل بروست الطفولة كجذر عميق للذاكرة والهوية، يربط الإنسان بجوهره الأول، ويجعل من لحظة تافهة – كمذاق قطعة مادلين مغموسة في الشاي – مفتاحاً لاسترجاع عوالم بأكملها كانت غافية في القلب، الطفولة، كما تتجلى في عمله، ليست فقط ذكرى، بل طاقة روحية، ونافذة على عالم أكثر صدقاً وصفاء، في مجتمعات تسعى للسيطرة على كل ما هو عفوي وبريء، تصبح الطفولة خطراً لأنها تمثل الحرية، تمثل المشاعر الخام، والدهشة، والصدق، وكل ما لا يمكن تطويعه بسهولة، لذا، حين تُخنق الطفولة باسم الانضباط، فإننا لا نفقد فقط لحظة من حياتنا، بل نفقد قدرتنا على الحلم، على التذكّر، على أن نكون بشراً بكل ما فينا من رقّة وعُمق.

وفي الشعر العربي، كثيراً ما تجلّت الطفولة كرمز أصيل للدفء والبيت الأول والدهشة الأولى التي لا تُنسى، كأنها الحنين ذاته متجسّداً في صورة أو رائحة أو صوت بعيد، في قصائد السيّاب، تحديداً في “أنشودة المطر”، تومض صور الطفولة بين سطور الحنين الممزوج بالحزن، حين يربط بين نزول المطر وبدايات الحياة، بالأم والأرض والذكريات الأولى، وكأنّ الطفولة عنده هي المطر الذي لا يعود، وفي رواية “طفل الممحاة” للأديب العربي الفلسطيني إبراهيم نصر الله، يقف الطفل في وجه الرصاص بحجمه الصغير وأحلامه الكبيرة، ليصبح رمزاً لمقاومة تُولد من براءة، لا من عداء، أما في رواية “عائد إلى حيفا” لغسان كنفاني، فتمتزج الطفولة بالفقد، عندما يعود الأب ليبحث عن ابنه الذي تركه رضيعاً في النكبة، ليجده وقد أصبح غريباً، جندياً في جيش العدو، فتصبح الطفولة هناك ليست فقط ما فُقد، بل ما سُرق وتشوه، وما لم يُمنح فرصة أن ينمو طبيعياً في حضن الوطن والأم، وفي نصوص الشاعر عبد الله البردوني، حين يتذكّر صنعاء الطفلة، البكر، الساكنة في قلب التاريخ، فإنّه لا يصف مدينةً بقدر ما يستدعي روحاً بريئة، زمناً كانت فيه الأشياء أوضح والقلوب أكثر نقاءً، الطفولة هنا ليست موضوعاً للحنين فقط، بل مرآة لروح لم تفسدها التعقيدات، لزمن كان الإنسان فيه أقرب إلى الصدق، وأبعد عن التصنّع، ولصوت الداخل الذي لا يزال يندهنا كلما أرهقنا التعب أو ضللنا الطريق.
من منظور نفسي، يرى كارل يونغ أنّ في داخل كل إنسان “طفلاً داخلياً” يختبئ، لا يكبر، ولا ينسى، ينتظر فقط من يحتضنه ويمنحه الاعتراف والرعاية، هذا الطفل هو مصدر اللعب والإبداع والدهشة الأولى، هو الجزء النقي الذي لا يعرف الأقنعة، ويحب بلا شروط، ويجرؤ على الحلم دون حساب، وعندما يُهمَل هذا الطفل، أو يُنكر وجوده، تظهر مشاعر الغضب غير المفهوم، والخوف العميق، والاكتئاب الذي لا تفسّره الوقائع الظاهرة، في علم النفس الحديث، يُقال إنّ من لا يصغي إلى صوته الداخلي، إلى ذاك الطفل المقموع في داخله، يبقى في صراع دائم مع نفسه، عاجزاً عن الفرح الحقيقي، والمبدعون الكبار، أولئك الذين يكتبون الشعر، أو ينسجون الروايات، أو يبتكرون العوالم الخيالية، هم في الغالب من حافظوا على خيطٍ سري مع طفولتهم، لم يقطعوه رغم الألم، بل جعلوا من الجرح نافذة للخيال، ومن الحنين مادة خاماً للخلق، لأنّ الطفل الذي لم يمت فيهم هو الذي يعلّمهم كيف يرُون الجمال في الأشياء، ويطرحون الأسئلة التي نسيها الكبار.
نستعيد الطفل حين نندهش من غيمة تتبدّل أشكالها في السماء، حين نبكي أمام مشهد بسيط في فيلم لأنه لمس شيئاً عميقاً فينا، حين نضحك مع صديق قديم ضحكة لا تخشى شيئاً، نستعيده عندما نركض خلف فراشة، أو نغنّي بصوت خافت في الطريق، أو نلعب مع أطفالنا لا لنرشدهم، بل لننصت إليهم ونرى العالم من عيونهم، نستعيده حين نرسم دون هدف، نرقص دون تنسيق، نكتب بلا تخطيط ولا قيد، فقط لأنّ داخلنا صوتاً صغيراً قال: “لِمَ لا؟” في عالم مادي متسارع، يُقاس فيه كل شيء بالأرقام والمردود، تصبح استعادة هذا الطفل الداخلي عملاً من أعمال المقاومة، مقاومة ضد التبلّد، ضد العزلة، ضد النسيان، مقاومة تذكّرنا أننا ما زلنا قادرين على الفرح، وأننا، رغم كل شيء، لم نفقد الإنسان فينا بعد.
ربما لا يموت الطفل الذي بداخلنا، ربما ينام في زاوية، وينتظر فقط أن نوقظه، وحين ننشغل بأعباء الحياة، والمهام، والنجاحات، ننسى أنه هناك، يتأملنا بصمت.
أن تعود إلى طفلك الداخلي، ليس هروباً من المسؤولية، بل تذكير بأنّ الحياة ليست كلها جديّة، أن ترى النجم وتظنه يضحك، أن ترسم خروفاً داخل صندوق، أن تكتب بلا خوف، أن تحب بلا شروط…
ربما هذا هو السبيل الوحيد لنظل أحياء في عالم يُصر على جعلنا بالغين فقط.


أضف تعليق