سلطانة الغنام
طريق طويل معتم أسير فيه وحدي.
الخريف ينثر أوراقه الذهبية على الأرض، تسقط بلا هوادة، تغطي الطرقات بصمتٍ كئيب، كأنها رسائل من زمنٍ رحل، لا تعود.
وفي هذا السكون، يظهر ظلّ يرافقني.
هو لا يبتعد عني، يمشي بمحاذاتي في كل خطوة، كأنه يعرف وجهتي قبل أن أخطو.
الغريب أنه يعرفني… يناديني باسمي، بصوتٍ يخرج من أعماق نفسي قبل أن يخرج من فمه.
سألته، متلعثماً: من أنت؟
ابتسم ابتسامة لا تنتمي لهذا العالم، وقال:
“أنا أنت… كما رسمتني في أعين الناس.
ربما شوهوا ملامحي قليلاً، لكن اليد التي صاغتني… كانت يدك أنت”.
ارتعشتُ من داخلي.
قلت: ماذا تقول؟
ردّ ببرود: كما سمعت.
إذن… ذكّرني باسمك؟
فنطق بيقين: اسمي، ولقبي، وعمري، حتى أدقّ التفاصيل… كما لو كان يقرأ من داخلي.
صرخت: سيدي… أخبرني من تكون! إنني أفقد السيطرة… أو اتركني وشأني.
ضحك بخفوت، واقترب حتى كادت كلماته تخترق روحي:
“غريب… كيف تريدني أن أتركك وأنا روحك؟ هذه تفاصيلك… فهل يضيق الجسد بظلّه؟”
ثم أكمل بصوتٍ أكثر حدة:
“أنا سِرك… كما استأمنته عند أحدهم.
ربما زادوا عليه أو نقصوا منه… لكن هذا أنا، عارٍ من أي ستر، يراني الجميع وقد باحوا بما أخفيت.
ألم ينطق فمك أولاً؟
أنا أرافقك في كل مكان، لكن بلا حجاب. فقل لي، هل تخجل من ذاتك؟”
ترددت، ثم قلت بعزم:
عفواً… أيها الذي يسير بجانبي، سأعالج خطئي، وأرجوك أن تتركني في طريقي.
سأنقذ نفسي… وأنقذ من يشبهونني.
سأكتب عن ذلك:
احفظ سرك في قلبك مرة، ثم ألف مرة، ثم ادفنه حتى يغيب عنك أنت قبل أن يختفي عن غيرك.
حين تُشرّق بنا الحياة وتُغرّب، ونخالط أقواماً وأرواحاً تتفاوت في صفائها وعللها، ستُدرك أنّ من يحفظ سرك إلى الأبد نادر، إن لم يكن معدوماً.
فلا تسلّم رقبتك لمن لا يرحمها، ولا تضع أمانك في يد من يجهل قيمته.
بقدر ما تحفظ سرك وتدفنه، تحفظ احترامك لذاتك، وتبقى حصيناً من عبث الألسن.
فالناس لا تلتزم إلا بما يوافق أهواءها، وحين تشتد الظروف وتتقلّب العلاقات، لن ينجو سرك إلا إذا كان منذ البداية ملكك وحدك…
والسر الذي خرج من فمك لم يعد لك، وإن سافر بعيداً، سيعود يوماً ليطرق بابك.
والآن… خذ رسالتي وامضِ بها إلى الناس، ودعني وشأني، فقد تعلّمت الدرس.
علّم من تبقّى قبل فوات الأوان.
وكأنك سحابة صيف… اختفيت فجأة، وبقيتُ أنا وحدي، والطرقات من حولي ساكنة.
لكنني هذه المرة لن أنسى…
سري لي فقط.


أضف تعليق