محمود عاطف الخرشة

حضرة الغياب العزيز،

منذ أن عرفتك واتسعت المساحة التي تربط بيننا، وتوثَّقت العلاقة وازدادت مشاعر الثقة، حملتني بجود كرمك ولطف معشرك إلى مساحة أمنتُ بها واطمأننتُ فيها. فسلمتُ من شرور خلق الله، واعتزلتُ القيل والقال، فأصبحتُ في أحسن حال. وطلّقتُ العتاب والمعاتبة، وخلعتُ عن جسدي رداء المجاملة التي يلزمك ارتداؤها لعشرتهم، فأنت بين حدَّي سيفٍ قاطع: بين بريق النفاق والمجاملة، أو ثورة عداوتهم التي إن اضطرمت في قلوبهم وتعالت على ألسنتهم، صَعُبَ التنبؤ بنهايتها، وكأنك فتحتَ بيت الدبور.

لقد جئتَ، أيها الصديق، لتتيح لي فرصة السلامة والتوافق مع فطرة الخلق التي فُطرتْ عليها النفس السليمة، المعافاة من ضوضاء حياة البشر. كم كنتَ صديقاً لي، وددتُ لو كان لك ألف ألف نسخة، تملأ لي دنيتي حتى الثمالة، ولا تترك فيَّ فراغاً يتسلل منه العابرون الفضوليون إلى رحاب ما سكنتُ. سأبرم بيننا عقداً راسخاً لئلا يأتي يوم تشكو فيه الملل من صحبتي، فتعزم حينئذ على هجري والرحيل عني.

أنا أدرك أنني ممل، لا يستهويني الحديث كثيراً، ومن الصعب أن أشرّع أبواب خيمة قلبي لصديق، مهما جمعتنا الليالي وتوالت أيامها. إذا تحدثتُ، وجدتُ رفضاً وممانعة في خروج الكلمات والألفاظ من أعماقي؛ إذ تتبدى الكلمات في صدري صخوراً صلبة متماسكة مكينة، لا تصعد بها أقوى الرافعات، ولا تزحزحها أعتى المعدات.

لقد وجدتُ فيك، أيها الغياب، تفاصيل ما ابتغيتُ من حياة، ينقصها الرياء والكبر والنفاق، ولا يتخلل مِراحها الكذب، فتحيا نقية صافية عذبة كما هي روحك. فأنا وأنت يجمعنا الكثير من الخلال والصفات والمناقب، فأنت لا تهتم بالأضواء والحضور الصاخب، كما هو حالي. وأنا بك أجد الفرصة لأغوص في أعماق ذاتي، وأدرك نفسي، وأفهم تفاصيل حالي، وأبحر في قارب التأمل الذي به تتسامى نفسي وترتقي على سلالم الفضيلة والرقي النخبوي.

في الوقت نفسه، حُرم الكثير من حضور غيابك، فبقوا كالطبل الذي إن قُرع تدفق ضجيجه العبثي، وإن تُرك بقي منفوخ الأوداج ينتظر بفارغ الصبر لمسة أو غمزة ليملأ المكان والزمان بضوضاء الحضور الصاعق.

نعم، الغياب الفضيل خير من الحضور الرذيل.

🏆 مسابقة القصة القصيرة – أغسطس 2025


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق