آية فريد
في مساء شتوي ثقيل، كانت الطرقات تبتلع خطاي المترددة. المطر يوشك أن ينهمر، والريح تصفّر بين الأشجار العارية كأنها تحكي أسراراً حزينة. كنتُ أمشي نحو المقهى الذي اعتدنا اللقاء فيه، وفي قلبي مئات الجُمل التي لم أجد لها صيغة نهائية بعد.
رأيته يجلس هناك، على الطاولة نفسها، يعبث بكوب قهوته البارد. لحظة واحدة، لا أكثر، كانت كافية لأدرك أنّ ملامحه تغيّرت. كان الصمت بيننا أثقل من كل ما مرّ بنا. جلست، وبدا لي وكأنّ العالم كله انكمش حول تلك الطاولة.
“كيف حالك؟” قالها بصوتٍ منخفض، كمن يعرف الجواب مسبقاً. ابتسمت ابتسامة باهتة، ثم نظرت إلى يديه. كانت أصابعه ترتجف قليلاً. سألت نفسي: هل يرتجف من البرد أم من القرار الذي جاء ليخبرني به؟
مرّت دقيقة واحدة فقط، لكنها كانت كفيلة بكسر شيءٍ داخلي لم أستطع إصلاحه بعد ذلك أبداً. قال:
“سأسافر… ولن أعود.”
لم أسمع بعدها كل ما قاله. الكلمات تبعثرت في الهواء، والدموع التي كنتُ أخفيها منذ أشهر تدفقت فجأة. كان المقهى مزدحماً، لكنني شعرت أننا وحدنا في عالم ضاق حتى كاد يختنق.
نظرتُ من النافذة، المطر انهمر، والناس تلوذ بالمظلات. فكرت أنني كنت أظن أنّ النهاية ستأتي ببطء، على مراحل، لا بهذه الحِدة. لكن الحقيقة أنّ بعض النهايات تأتي مثل ومضة برق، تتركك في عتمة تامة بعدها.
في الدقيقة الأخيرة من لقائنا، نهض. ترك النقود على الطاولة، وابتسم ابتسامة صغيرة، ربما أراد بها أن يخفف عني، لكنها كانت مثل سكين جديدة فوق الجرح. غادر بخطوات ثابتة، ولم يلتفت.
عدتُ إلى البيت تلك الليلة وأنا أحمل معي كوب قهوته الفارغ، لا أدري لماذا. ربما لأحتفظ بشيء مادي يذكّرني أنّ تلك الدقيقة لم تكن كابوساً. مرّت الأيام، وتغيّر كل شيء. الأصدقاء صاروا أقل، الأماكن المألوفة صارت غريبة، وأنا… لم أعد الشخص نفسه.
أدركتُ بعد وقت طويل أنّ اللحظة التي كسرتني لم تكن وداعه فقط، بل كانت إدراكي أنّ الحياة يمكن أن تنقلب رأساً على عقب في دقيقة واحدة، وأننا مهما حاولنا الإمساك بالأشياء الجميلة، فهي تميل دائماً إلى الانفلات.
لكن وسط كل هذا الحزن، بقي شيء صغير في قلبي… شكر خفي لتلك الدقيقة، لأنها جعلتني أرى الحقيقة كاملة، دون تجميل أو تأجيل. ربما أكون قد فقدت شخصاً أحببته، لكنني ربحت نفسي من جديد.


أضف تعليق