نورا حنفي – كاتبة مصرية
كنت أحسب أنّ الألم يعرفني أنا وحدي من بين خلق الله على الأرض، حتى لمست آلام البشرية بأسرها وفهمت أنّ عذابي ما هو إلا نقطة في بحر المأساة!
تمر الأيام وأنا عالقة عند لحظة بعينها، عشت معها تفاصيل الكابوس بحذافيره، وحتى الآن لم يهدأ أنين الوجع في روحي، ولن يهدأ تماماً طالما أنّ الألم قد طال زاوية صادقة من الروح.
تساءلت وأنا على حافة السقوط في حفرة الاكتئاب: هل ما أعيشه هو سيطرة الألم على نفسي، أم أنّ العالم يحترق كذلك؟
اعتقدت في بداية الأمر أنّ الكل يغرق في ملذات الدنيا، وذلك حين تأملت الكون حولي ولم أجد سوى الحياة في كل مكان..
هُناك.. أحدهم يمزح مع صديقه بنكات “رخمة” مُستهلكة، فتاة عشرينية انتهت من جولة “شوبينج” بابتسامة عريضة، أطفال تتسابق بطائرات ورقية في سماء الغروب، كل شيء ينبض بالحياة، إلا أعماقي!
فهل العيب في تكويني، أم للواقع رأي مختلف في قضية المعاناة؟
في الصباح الأول الذي اتخذت فيه قراري بأن أتحرر من حالة العزلة من بعد أيام الحزن الطويلة، أدركت معه المعنى الذي لا يقل عن حقيقة الموت، ربما هو الوجه الآخر له في عالمنا هذا، إنه وباختصار.. الألم.
وبعد معاركي مع الإدراك والتأمل في أحوال الناس، شعرت بمدى غبائي حين تصورته قاصراً على نبضي أنا فحسب، بل هو لي ولكم ولكل مخلوق على الأرض، وهو بطل القصة الإنسانية حتى صفحة النهاية.
ذلك الصباح، خرجت للعالم من جديد بخطوات متأرجحة بين الإصرار والانسحاب، واجهت الشوارع وأنا خائفة من شيء لا أعرفه، ولكن لم يكن أمامي سوى الركض وراء سراب الدنيا، لذا، كان لا بد من شجاعة حتى وإن كانت الجروح نشطة وأقل النسمات تُلهب فيها نزيف الماضي، وما رأيته حينها أكد لي أنّ كل البشرية مجروحة.. لسبب ما!
كانت أول ضربة ألم وقعت على رأسي وأفقدتني الاتزان حين صادفت سيدة في سن الشيخوخة تستند على أكتاف المارة، أحدهم يلحق بها قبل أن تدهسها عجلات “ميكروباص” جامحة، والآخر يعطف عليها بـ “ملاليم” لا تكفي لشراء راحة البال، وغيره يتجنبها خشية أن تكون رئيسة عصابة أو محتالة في ثوب الضعف، لا أحد يعرف الحقيقة الكاملة في تلك اللحظة.. وهي وحدها تعرف.
وبعد دقائق معدودة بين نظرات من الاهتمام والتجاهل، رأيتها تنزوي بعيداً عن الاتهامات حول أصلها وفصلها، حتى استسلمت إلى رصيف مكسور وهي تبكي وتبكي على حالها الرث.
فما الذي يدفع سيدة في عُمر الأجداد إلى البكاء بهستيريا الأطفال؟!
ورغم خطواتي الثقيلة وقتها سألتها عن أسباب ضعفها الذي أوجعني بحق.. المؤسف أنّ قسوة الإجابة قتلتني أكثر من حيرة السؤال، ليتها اكتفت بالبكاء ولم تلتفت إلى سؤالي!
سمعتها ترتجف بألم وهي تقول: “أنا مطرودة من بيتي..”
إنها تبحث عن الأمان بعدما تخلى عنها الأبناء، فلم تجد سوى الرصيف ليحتضن خوفها وأيامها القليلة المتبقية من الزمن، نعم، لقد وجدت في الحجر رحمة لم تجدها في الإنسان!
لقد لمست فيها ملامح أمي، وهو عذاب فوق العذاب أن تلتحم بمصيبة سيدة بسيطة تحلم بأقل حقوقها، النجاة من زحام المدينة فحسب، لم تطلب العطف بـ “سندوتش فول” حتى، كان أملها الوحيد هو العودة إلى سريرها ومطبخها والطمأنينة بأنها بين “أربع حيطان” تحميها من همجية الظنون و”رغيف عيش” يضمن لها الحياة لآخر اليوم.. ليس أكثر.
إنه شكل من أشكال الألم في الأرض، أن يصبح العادي مجرد أوهام في غمضة عين!
وعلى الجانب الآخر من الشارع، رأيت شاب في عُمر الورد، يقبض على ملفات وأوراق بمنتهى القوة والحرص لدرجة أنّ أصابعه طبعت بصمتها على ورقة ورقة، فيما يبدو أنّ كل خبراته في الحياة تتلخص في تلك المستندات التي وإن ضاعت يضيع معها مستقبله للأبد!
كان يصرخ في هاتفه ويطلب أي حلول تنقذه من الورطة وصدمته في النفوس، وبصوت يشتعل غضباً قال: “رفضوني من الشغل، طب ليه؟!!”
اقرأ أيضاً:
كيف يتحوّل الوقت الضائع إلى أداة لتطوير عقلك؟
غسان كنفاني: الكلمة التي صارت قضية
روح متمردة
وادي الغموض
القصص الصغيرة: لماذا نكتب عن الأشياء التي تبدو عادية؟
القصة التي لا تنتهي: ما معنى أن تكون كاتبًا؟
رفضوه في وظيفة أحلامه!
كل أيام التعب والقلق والمحاولات تبخرت مع جرّة قلم وضمير يحتضر، حتى قميصه الجديد، كما يبدو أنه اختاره بشغف البدايات والرغبة في اجتيار “الانترفيو” بهيئة أنيقة تليق بأحلامه الوردية، وها هو الألم يجبره على التنازل عنه واسترداد ثمنه ليوفر قوت يومه والسلام!
وفي تلك الأثناء، غرقت خطواتي في طوابير طويلة من جماعات بشرية على كل شكل ولون، إنها بوابة مستشفى متهالكة وربما هي من آثار الفراعنة أيضاً، الكبير والصغير هُناك في انتظار دورهم في الكشف، كل ما استطعت رؤيته بوضوح هو تقارير طبية وفحوصات وتحاليل وشنط علاج بمثابة صيدليات مُتنقلة، وأضف عليهم أنين المرض وعيون تنطق بأوجاع لا تُحتمل!
حتى الرضيع لم يفلت من الألم، كان ينتظر دوره كذلك في عيادة الباطنة على أمل أن يصل إلى طفولته بلا عقبات..
لقد واجهت موقف كهذا من قبل، ولكني لدي القدرة على مقاومة الوجع بحكم نضجي وثباتي أمام “شكة” حقنة مسكنة أو مرارة مضاد حيوي، فكيف عن إحساس الرضيع بالألم وهو لم يتعرف على إحساسه بالحياة بعد؟!
لنقف الآن على نهاية منطقية..
الكل يتألم على الأرض، إنها النتيجة الحاسمة التي توصلت إليها من بعد مشاهدات مزقت ما تبقى من نبضي!
قد تختلف الدرجة والطريقة، ولكنها تتفق في حقيقتها، فإنّ الإنسان في الكون لم يُخلق لتلك المثالية المزعومة، إنها مبتورة، حدوتة وهمية كما حواديت “أميرات ديزني” المبهرة والخيالية في الوقت ذاته، والألم ينهي النقاش في تلك المسألة من الجذور!
كل ما أعرفه الآن أننا نعيش لنتألم، وربما نتألم لنعيش، الجميع له قصته الشخصية جداً مع الألم، الكل يتعطش إلى مُواساة وطبطبة وعناق، قد نتأقلم، نتغافل، ولكننا لا نهرب.. أبداً.
لقد بدأ معي الألم منذ أن كنت صغيرة بضفائر بريئة وقلب سليم..
حين توجعت على لُعبتي التي تحطمت من فرط شقاوتي وجنوني، وعلى فستان طفولتي الذي ابتلعته كومة ملابسي الصيفي والشتوي ولم أجده حتى اللحظة ولو من باب الذكرى، وعلى أفكاري التي تصعق عقلي من حين لحين وأعجز كثيراً عن التعبير عنها كما يجب، والآن على ندبات الروح.. والله أعلم بما تُخبئه لي الأقدار.
نعم، الكل يشرب من نفس الكأس، فلا تخدعكم المظاهر..
إن رأيتم أحدهم يبتلع تلك النكات المملة، فربما قلبه يعتصر على فراق الحبيبة وبحاجة إلى من يُهوّن عليه أزمة الشعور، أو تلك الفتاة التي تتمايل بالسعادة بعد “شوبينج” من كل أصناف الموضة، فقد يكون ثقل الفواتير كارثة تدفع ثمنها لاحقاً من نشوة الأنوثة، والطائرات الورقية فهي الملاذ الأخير للأولاد من “بُعبُع” الدراسة وحصص السابعة صباحاً من بعد السهر والكسل والنوم للعصر.
وأنا، كتاباتي وضحكاتي هي مجرد قناع صنعته لكي يستر دمار الحرب بداخلي!
فإياكم وفخ المظاهر.
لذا، تمهل يا قلبي، وتنازلي يا نورا..
تنازلي عن العناد والغضب ودور الضحية وانظري للعالم نظرة عادلة، فإنّ روحي ليست ذبيحة الألم وحدها في عالمنا النازف هذا، الحقيقة أنّ رائحة الأوجاع تفوح من كل مكان!

هنا…
تتحوّل المشاعر إلى قصائد،
والأفكار إلى مقالات،
والأحلام إلى قصص.
أربع سنوات…
ومعاً سنكتب الفصل الأجمل.
شارك في دعم الكتابة الإبداعية


اترك رداً على mortallycycle669be350a2 إلغاء الرد