شابٌ يحمل مسودة روايته الأولى يجلس في مقهى مع ناقدٍ أدبي مخضرم يناقش ملاحظاته بجدية واهتمام.

حين أدركتُ أني لستُ روائياً بعد

يوسف الخطيب

كنتُ أجلس في مقهى، أقلّب صفحات مسودة روايتي الأولى بفخرٍ، كانت الورقات بين يدي أشبه بمولودٍ جديدٍ أراه تحفةً فنية لا مثيل لها، بعد أشهرٍ من الكدِّ والعناء، اعتقدتُ فيها أنني قطعت شوطاً كبيراً، “هذه الرواية ستغير وجه الأدب العربي”، همستُ لنفسي، كنتُ أرى غلاف روايتي في الصفحات الأولى من المجلات الثقافية، وأسمع أصوات النقاد يتحدثون عن “ظاهرة جديدة”، في عقلي، كنتُ روائياً بالفعل، وكل ما بقي هو الخطوة الأخيرة: النشر.

اتصلتُ بدار نشر معروفة، وحصلتُ على موعدٍ لتقديم العمل، كانت دار “المدار” للنشر والترجمة، مكاناً يحلم كل كاتبٍ ناشئ بالوصول إليه، ذهبتُ في اليوم المحدد، وأنا أحمل ملفي الورقي كأنه كنزٌ ثمين، في الردهة الفسيحة، بين رفوف الكتب التي تُزين الجدران، شعرتُ بأنني على وشك الانتماء إلى هذا العالم الجميل، انتظرتُ على كرسيٍ جلدي، وأنا أراجع في ذهني مشاهد الرواية التي كنتُ متأكداً من أنها ستُحدث فرقاً كبيراً.

فجأة، دخل رجلٌ في منتصف العمر، يرتدي بذلةً أنيقة، ونظارةً ذهبية الإطار، عرفته فوراً: الدكتور “خالد الناصر”، أحد أبرز النقاد الأدبيين في الوطن العربي، وروائيٌ له عدة أعمالٌ حازت على جوائز مرموقة، لم أكن أتوقع رؤيته هنا، خاصةً بهذه الطريقة العفوية، كان يقف بجانب مكتب الاستقبال، يتحدث مع مدير التحرير، شعرتُ برعشةٍ في يدي، هذا الرجل الذي قرأتُ نقده الحاد، وكنتُ أتمنى أن يقرأ روايتي يوماً ما، كان هنا، على بعد أمتارٍ مني.

وقبل أن أتمكن من ترتيب أفكاري، التفتَ الدكتور خالد نحوي، ربما لاحظ حماسي أو رأى الملف الذي أحمله، تقدم نحوي، ومدَّ يده:

“أهلاً بك، هل أنت كاتبٌ جديد؟” أومأتُ برأسي، وشعرتُ بالخجل.

“نعم، دكتور، اسمي “ياسر السلمي”، لديّ رواية أولى، وأتمنى أن تنشرها دار المدار”، ابتسم ابتسامةً دافئة، لكن عينيه كانتا تُحدّقان في الملف بين يدي.

“رواية أولى؟ هذا رائع! دعني أرى ما بين يديك”.

وقبل أن أتمكّن من الإجابة، أخذ الملف من يدي، شعرتُ بالقلق في تلك اللحظة، لم أكن مستعداً لهذا! لم أكن أتخيّل اللقاء حتى في أحلامي، فكيف يحدث الآن بهذه البساطة، أردتُ تقديم أيّ احتجاج لأسترد الملف، بحجة أنّ عليّ مراجعته مرة أخرى، وأن أتحقق من كل فقرة، وأتأكد من أنّ الجُمل متسقة، لكنه لم يُعر ردة فعلي أي اهتمام، وتصرف كأنني غير موجود، وأخذ يقلّب الصفحات بسرعة، وعيناه تتحركان بخفة، كان يقرأ بعُمق، ويتوقف أحياناً عند فقرةٍ معينة، ويرفع حاجبيه، ومع كل توقفٍ كنتُ أشعر وكأنه يطعنني في صدري.

بعد دقائقٍ شعرتُها كدهر، نظر إليّ:

“ياسر، الرواية تحتاج إلى نقاش، هل لديك وقت الآن؟ لنذهب إلى مقهى قريب، ونتحدث عنها”.

أومأتُ برأسي بصمت، وشعرتُ بالأرض تهتز تحت قدمي، قلتُ في نفسي: “هذا اللقاء سيغير كل شيء”.

جلسنا في زاويةٍ هادئة بمقهى “الورقة”، مكانٌ مفضل للكتّاب والمثقفين، كان الدكتور خالد هادئاً، يطلب قهوته بثقة، أما أنا، فكانت يداي ترتجفان، وأنا أنتظر الكلمات التي ستخرج من فمه.

“رحلةُ الكاتب لا تبدأ بالنشر، بل تبدأ عندما يدرك أنّ عليه أن يتعلّم كل يوم، وأن يحب الكلمة أكثر من حبه للشهرة، وأن يصغي أكثر مما يتحدث.”

بدأ الحديث بلطف:

“الفكرة العامة لروايتك مثيرة للاهتمام حقاً، قصة حبٍ في خضم حربٍ أهلية، هذا موضوعٌ غنيٌ بالإمكانيات، لكن…” توقف هنا، ونظر إليّ مباشرة:

“لكن التنفيذ يحتاج إلى الكثير من العمل”.

شعرتُ بالصدمة، الكثير من العمل؟ كيف ذلك؟ لقد أمضيتُ عاماً كاملاً في كتابتها!

سألته بصوتٍ متردد:

“ما الذي تقصده بالضبط، دكتور؟ هل هناك أخطاء إملائية أو نحوية؟” هزَّ رأسه:

“الأخطاء الشكلية يمكن إصلاحها بسهولة، المشكلة أعمق من ذلك، دعني أسألك: عندما كتبتَ هذه الرواية، ما الذي كنتَ تهدف إليه؟” أجبتُ بثقة:

“كنتُ أريد أن أنقل معاناة الناس في الحرب، وأظهر كيف أنّ الحب يمكن أن يُزهر حتى في أحلك الظروف”، أومأ برأسه موافقاً:

“هدفٌ نبيل، لكن هل شعرتَ أنك حققتَه؟ هل شعرتَ وأنت تكتب أنك تلامس وجدان القارئ؟” صَمَتُ للحظة، في الحقيقة، كنتُ مركزاً على الأحداث والحبكة، ولم أفكر كثيراً في الجانب العاطفي العميق.

قال الدكتور خالد بنبرةٍ صادقة:

“الرواية ليست سرداً للأحداث فقط، هي بناءٌ فنيٌ دقيق، الشخصيات في روايتك تبدو مُسطحة، كأنها دمى تحركها الأقدار، لا نرى صراعاتها الداخلية، لا نسمع همساتها، لا نشعر بآمالها وآلامها، القارئ يجب أن يعيش معها، لا أن يراقبها من بعيد”.

شعرتُ بالمرارة في حلقي، كنتُ أظن أنّ شخصياتي حية! تذكرتُ “سارة”، بطلة الرواية، التي صوّرتها كامرأةٍ قويةٍ تتحمل كل شيء، لكني الآن، أدركتُ أنني لم أمنحها عمقاً، لماذا لم أسأل نفسي: ماذا تشعر سارة وهي تفقد بيتها؟ ما الذي يُخيفها حقاً؟ ما هي أحلامها الصغيرة التي تحطمت؟

تابع الدكتور خالد:

“اللغة أيضاً، يا ياسر، اللغة جميلة أحياناً، لكنها في أماكن أخرى مبالغٌ فيها، كأنك تحاول إثبات أنك كاتبٌ كبير، الكتابة الجيدة هي البساطة، ليس التعقيد في الظاهر، تذكر مقولة “همنغواي”: ‘الكتابة الجيدة هي الكتابة الحقيقية’”.

أخذ نفساً عميقاً، وقال:

“أخبرني، كم مرة قرأتَ روايتك بعد الانتهاء منها؟” أجبتُ:

“مرتين أو ثلاث مرات”، ابتسم بمرارة:

“هذا قليل جداً، الرواية الجيدة تُقرأ وتُعاد كتابتها عشرات المرات، كل كلمة يجب أن تكون في مكانها الصحيح، كل جُملة يجب أن تخدم الهدف العام، هذا يتطلب الصبر”.

اقرأ أيضاً:
قراءة في رواية “ساق البامبو” لسعود السنعوسي

“المسخ” إحدى روائع فرانز كافكا… عن قرب
عندما يلتقي الطفل بالطيار: رحلة في ‘الأمير الصغير’
رحلة الكاتب: من النقد إلى الإبداع، كيف تنمو كاتباً رغم التحديات؟

السيميائية في الرواية: مفتاح فهم العالم الرمزي
داخل عقل كافكا: تحليل رواية ‘الحكم’ والصراعات النفسية المعقدة

في تلك اللحظة، شعرتُ بأنّ حلمي ينهار، كل الثقة التي بنيتُها حول نفسي تحوّلت إلى سراب، لم أكن روائياً، لم أكن حتى كاتباً جيداً، كنتُ مجرد شخصٍ يحب الكلمات، لكنه لا يفهم فنَّها.

نظرتُ إلى الدكتور خالد، وقلتُ بصوتٍ متهدج:

“لكنني أحببتُ هذه الرواية، بذلتُ فيها كل جهدي”، نظر إليّ بعطفٍ حقيقي:

“أعرف ذلك، وهذا هو السبب في أنني أتحدث معك بصراحة، لو كنتُ أرى أنك لا تستحق، لما اهتممت، لكني أرى شغفاً حقيقياً فيك، وهذا الشغف يحتاج إلى توجيه”.

أخذ قلماً من جيبه، وبدأ يكتب ملاحظات على هامش إحدى الصفحات:

“انظر هنا، هذا المشهد حيث يلتقي البطلان للمرة الأولى، الأحداث سريعة جداً، لماذا لا تُبطئ الزمن؟ تصف رائحة المكان، صوتَ الريح، نظرة العينين، الخفقان في القلب، اجعل القارئ يعيش اللحظة كأنه هناك”.

ثم توقف عند صفحةٍ أخرى:

“هنا، الحوار بين العدو والبطل، الكلمات مباشرة جداً، لماذا لا تستخدم الرمز؟ لماذا لا تجعل العدو يتحدث عن طفولته، عن خوفه، فيكشف عن ضعفٍ يجعله إنسانياً؟ هذا سيجعل الصراع أكثر تعقيداً”.

كل كلمة كان يقولها كانت تُعري جهلي، بينما كنتُ أعتقد أنني وصلت، فإذا بي مازلت على الشاطىء، لم أخض غمار البحر بعد، كنتُ أركّز على “ماذا يحدث”، بينما الفن الحقيقي في “كيف يحدث” و”لماذا”.

سألته أخيراً:

“هل تعتقد أنّ هذه الرواية يمكن إنقاذها؟”، نظر إليّ بجدية:

“نعم، ولكن ليس بالشكل الحالي، تحتاج إلى إعادة كتابة جذرية، تحتاج إلى أن تقرأ أكثر، أن تدرس فن الرواية، أن تفهم نفسيات الشخصيات، أن تتقن الحوار، أن تصقل لغتك، هذا ليس طريقاً سهلاً، لكنه الطريق الوحيد”.

عدتُ إلى شقتي في تلك الليلة، وأنا أحمل ملفي كأنه جثة، رميتُه على الطاولة، لم أُدر مفتاح الكهرباء وجلستُ في الظلام، شعرتُ بالفشل يخنقني، يأكلني قطعاً صغيرة، حتى أتلاشى، كل أحلامي بالشهرة والنجاح تبددت، ورغم ذلك، كان يُخالجني شعور غريب بأنّ عليّ أن أعيد كتابة الرواية مرة أخرى، شعرتُ معها بأنني أتحرر.

في اليوم التالي، فتحتُ الرواية من جديد، هذه المرة، لم أقرأها ككاتبٍ مزهواً بنفسه، بل كقارئٍ ناقد، رأيتُ الأخطاء بوضوح: الشخصيات المُسطحة، الحوار المفتعل، الأحداث المتسارعة، اللغة المبالغ فيها، رأيتُ كل شيء، وصرختُ في نفسي: “كيف لم أرَ هذا من قبل؟”

اتصلتُ بالدكتور خالد، وقلتُ له:

“دكتور، أنا مستعد للبدء من جديد، سأعيد كتابة الرواية كاملة، سأقرأ، سأتعلّم، سأعمل بجد”، وشعرتُ بابتسامته من الطرف الآخر:

“هذا هو الكاتب الحقيقي.. ياسر، الكتابة ليست لحظة إلهامٍ سحرية، هي عملٌ شاقٌ ومستمر، أنا هنا لمساعدتك، ابدأ بالقراءة: اقرأ روايات “نجيب محفوظ”، “غابرييل غارسيا ماركيز”، “تولستوي”، تعلّم من أساتذة الفن، ثم ابدأ الكتابة من جديد، ولكن هذه المرة، اكتب بقلبك وعقلك معاً”.

مرَّ عامان على ذلك اللقاء في دار النشر، في هذه الأثناء، قرأتُ عشرات الروايات، درستُ فن الحوار، تعلّمتُ كيف أبني شخصيةٍ معقدة، كيف أصوغ مشهداً مؤثراً، كيف أستخدم اللغة ببساطةٍ وعمق، وأعدتُ كتابة روايتي الأولى من الصفر، هذه المرة، كنتُ أستمتع بالعملية، أستمتع بالاكتشاف، وأستمتع بالصبر.

“الروائي الحقيقي لا يصنعه كتابٌ واحد، بل يصنعه الإصرار والمثابرة.”

اليوم، الرواية جاهزة، لكن هذه المرة، لم أذهب إلى دار النشر بثقةٍ مفرطة، ذهبت بتواضعٍ، وبوعيٍ بأنّ العمل لم ينتهِ بعد، النشر مجرد خطوة، والرحلة الحقيقية هي رحلة التعلّم المستمر،

في دار “المدار”، التقيتُ بالدكتور خالد مرة أخرى، كنتُ قد هاتفته وأخبرته بأنني سأكون سعيداً لرؤيته، فاتفقنا على أن نلتقي في دار النشر، نظر إلى الرواية الجديدة، وقال:

“هذه المرة، أرى النضج، العمق، والفن، لكن تذكر، الروائي الحقيقي لا يصنعه كتابٌ واحد، بل يصنعه الإصرار والمثابرة”.

وحملني الخيال إلى ذلك اللقاء الأول بيننا، أدركت أنه لم يكن نهاية حلمي، بل كان بداية رحلتي الحقيقية، فرحلةُ الكاتب لا تبدأ بالنشر، بل تبدأ عندما يدرك أنّ عليه أن يتعلّم كل يوم، وأن يحب الكلمة أكثر من حبه للشهرة، وأن يصغي أكثر مما يتحدث.

هنا…
تتحوّل المشاعر إلى قصائد،
والأفكار إلى مقالات،
والأحلام إلى قصص.
أربع سنوات…
ومعاً سنكتب الفصل الأجمل.


شارك في دعم الكتابة الإبداعية


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

رد واحد على “حين أدركتُ أني لستُ روائياً بعد”

  1. وأن يحب الكلمة، أكثر من حبه للشهرة..

    إعجاب

أضف تعليق