إسراء سلامة
مفتاح السماء
كان يعلّق مفتاح بيته القديم في عنقه، مثلما كان يفعل أبوه وجده من قبله.
يضحك الجيران أحياناً قائلين: “يا رجل، البيوت تتهدّم وتُبنى، فما جدوى هذا المفتاح؟”
وكان يردّ بابتسامة: “المفاتيح لا تفتح الأبواب فقط… إنها تفتح الذاكرة.”
وفي تلك الليلة، حين سقط الصاروخ وسوّى البيت بالأرض، بقي المفتاح وحيداً يلمع فوق صدره، كأنه يعلن أن للبيوت أرواحاً لا تموت.
صرخة معلّقة
في اليوم الخامس من الحصار، لم تجد الطفلة ورقاً ولا دفتراً، فكتبت على الجدار المهدّم كلمة واحدة: “عطشانة.”
تركها الجميع هناك، شاهداً صامتاً على عطش مدينة كاملة.
وبعد أسبوع، هطل المطر الغزير، فغسل آثار الدخان والدمار، لكنه لم يمحُ الكلمة.
بقيت الكلمة محفورة لا في الجدار فقط، بل في كل قلب مرّ من هناك.
لعبة الركام
تسلل الأطفال إلى بقايا مدرسة سوّيت بالأرض.
جمعوا حجارة صغيرة ورتّبوها في صفوف كالمقاعد، ثم صنعوا نفقاً ضيقاً تحت الركام، ووضعوا فيه دمية محروقة.
قال أحدهم: “هذه مدرستنا الجديدة، وهذه الدمية هي المعلمة.”
ضحكوا للحظة، لكن سرعان ما ساد الصمت.
لقد كانوا يعرفون أنّ الضحك نفسه صار لعبة نادرة.
وردة معدنية
عاد الزوج من الشارع يحمل قطعة معدنية سوداء، كانت قبل ساعات شظية من قذيفة.
جلس طوال الليل يطرقها بمطرقة قديمة حتى صارت خاتماً بسيطاً، ووضعه في يد زوجته.
قال: “لم يبقَ في السوق ذهب، لكن هذه القطعة من قلب النار… وهي أصدق من أي هدية.”
أجهشت بالبكاء، وعرفت أنّ الخاتم أثمن من كل المعادن، لأنه صيغ من الألم والصبر معاً.
كعك العيد
في صباح العيد، كانت الأم تصرّ أن تُشعل الفرن رغم ندرة الغاز. خبزت صينية كعك خرجت محترقة.
قالت وهي تضعها أمام أولادها: “المهم أن تبقى الرائحة.”
مدّ الأطفال أيديهم يتشممون الكعك، وابتسموا، وكأنّ الرائحة وحدها كافية لتعويض غياب الطعم.
لقد كانت رائحة العيد أقوى من قسوة الحرب.
ظلّ أبي
كان الطفل يلهو بملاحقة ظل أبيه عند الغروب، يضحك كلما تحرك الظل معه.
وفي المساء، حين سقط البيت بصاحبه، عاد الطفل وحيداً… لكنه ظلّ يركض خلف الظل الطويل المرسوم على الجدار المهدّم.
لقد خسر أباه، لكنه احتفظ بظله إلى الأبد.
المقعد الفارغ
في الصف الرابع، كان هناك مقعد مكسور لم يجلس عليه أحد منذ استشهاد صاحبه.
طلب الأطفال من المعلم أن يصلحه، لكنه أصرّ أن يتركه كما هو.
كتب على الخشب الممزق: “هذا المقعد لشهيدنا الصغير، لا يملكه سواه.”
صار المقعد الفارغ أكثر حضوراً من كل المقاعد الممتلئة.
نصف كتاب
عثر صبي بين الردم على كتاب نصفه محترق.
فتح صفحة ممزقة، فوجد جملة ناقصة: “الحياة… جميلة.”
ابتسم وقال: “ربما النصف الآخر عند جارنا الذي فقدناه.”
ظلّ يحمل الكتاب معه أينما ذهب، كأنه يكمّل نقص حياته ببقايا جملة.
وعد الكهرباء
حين عادت الكهرباء لدقيقة واحدة، صرخ الجيران من الفرح: “النور! عاد النور!”
في تلك الدقيقة، شحنت الهواتف، اشتعلت اللمبات، وشعروا أنّ العيد دخل البيوت.
لكن في الدقيقة الثانية، غرق الحيّ كله في الظلام من جديد.
ومع ذلك ظلوا يضحكون، لأنّ الدقيقة الواحدة كانت كافية لتذكيرهم بأنّ الضوء لا يُهزم.
بئر الملح
أصاب القصف البئر الوحيد في الحي، فصار ماؤه مالحاً مراً.
اصطفت النساء يحملن الجرار، يملأنها رغم الطعم القاسي.
قالت إحداهن وهي تتذوّق رشفة: “حتى البحر صار يشرب من دموعنا.”
ضحك الآخرون بمرارة، فقد صار الماء والدمع شيئاً واحداً.
قميص النوم
في تلك الليلة، تأخر القصف قليلاً. ارتدى الطفل بيجامته الجديدة، وركض إلى فراشه فرحاً أنه سينام كباقي الأطفال.
لكن الصاروخ جاء فجأة، وسقط البيت.
وحين انتشلوا جسده، كان لا يزال يرتدي قميص النوم الأزرق… كأنه أصرّ أن يغادر الدنيا في أجمل هيئة.
صوت الطائر
مع طلوع الفجر، وبعد ليلة طويلة من الصراخ والانفجارات، سمع الناجون صوت عصفور صغير يغرد فوق عمود مكسور.
رفع أحدهم رأسه وقال: “انظروا، حتى الطيور تشهد أننا على قيد الحياة.”
كانت تغريدة واحدة أقوى من كل ضجيج الحرب.
الحقيبة السوداء
بعد سقوط البيت، لم يعثر الأب على شيء سوى حقيبة المدرسة عالقة بين الركام.
فتحها فوجد فيها رغيف خبز ملفوف بقطعة قماش، ودفتر حسابات قديم.
قرأ الصفحة الأولى، فوجد بخط صغير: “ديون الجيران – أسامحهم جميعاً.”
انهار الأب باكياً… لقد كان ابنه الشهيد يملك قلباً أكبر من عمره.
آخر شمعة
اجتمع الأطفال في غرفة ضيقة حول شمعة وحيدة.
كانت تذوب ببطء، والظلام يحاصرهم من كل جانب.
قالت الطفلة الصغيرة بصوت مرتجف: “لا تنفخوها… قد تكون آخر ضوء نراه الليلة.”
أمسكوا أنفاسهم جميعاً، كأنهم يحمون النور من الموت.
رسالة لم تصل
كتب الشاب رسالة إلى خطيبته: “انتظريني، الحرب ستنتهي وسأعود.”
ضغط زر الإرسال، لكن الكهرباء انقطعت، وبقيت الرسالة عالقة في الهاتف.
وفي اليوم التالي استشهد، فظلّت الرسالة في صندوقه، بلا إرسال… تماماً مثله، بلا عودة.
جدار الرسالة
أطلّ الفتى على جدار بيته المهدّم، فرأى بين الركام ورقة بيضاء مثبتة بمسمار. اقترب ليقرأ:
“إلى من يأتي بعدي… لا تبحثوا عني تحت الأنقاض.”
الخوذة الأخيرة
عثر الطفل على خوذة إسعاف محطّمة بين الردم. وضعها فوق رأسه، وابتسم قائلاً لأمه:
“انظري… صرتُ طبيباً!”
أجهشت الأم بالبكاء، وهي تعلم أنّ الخوذة تعود للشاب الذي لم يستطع إنقاذ أبيه.
صلاة مقطوعة
حين دوّى الانفجار، كان الشيخ يرفع يديه في الدعاء.
بقيت يداه ممدودتين فوق الركام، بينما تكفّل الصدى بإكمال صلاته.
مقعد المدرسة
عاد الطالب الصغير إلى أنقاض مدرسته. جلس على حجر، ووضع حقيبته المهترئة بجانبه.
كتب على الغبار بسبّابته: “الحصة الأولى: صبر”.
رغيف للسماء
اصطفّ الأطفال حول الفرن الوحيد الباقي في الحيّ.
حين جاء دور الصغير، وجد أنّ الخبز قد نفد.
رفع رأسه وقال بصوتٍ خافت: “طيب… خبزتوا للملائكة؟”


أضف تعليق