يوسف الخطيب
منذ أن خَطَت الرواية خطواتها الأولى في عالم الأدب، وهي محاطة بسؤال جوهري لا يكف عن الظهور في كل نقاش أدبي ونقدي: هل الرواية مرآة للمجتمع؟ هل هي انعكاس أمين لما يدور في الواقع، أم أنها عالم مستقل بذاته، يخلقه الكاتب من نسيج خياله ورؤيته الخاصة؟ هذا السؤال ليس مجرد استفهام نظري، بل هو جوهر العلاقة المعقدة بين الفن والحياة، بين الإبداع والواقع، بين الكلمة والوجود.
حين أجلس لكتابة رواية، أجد نفسي في مواجهة مع هذا السؤال بكل تبعاته، هل أنا أكتب ما أراه في الشارع، في البيوت، في وجوه الناس؟ أم أنني أخلق عالماً جديداً لا علاقة له بما يحيط بي؟ الحقيقة أنّ الإجابة ليست بهذه البساطة، فالرواية ليست تصويراً فوتوغرافياً للواقع، ولا هي هروب كامل منه إلى عوالم خيالية محضة، إنها علاقة جدلية معقدة، تتداخل فيها خيوط الواقع بخيوط الخيال، وتمتزج فيها الحقيقة بالحلم، والمعاش باليوتوبيا أو الديستوبيا التي نتخيلها.
الرواية العظيمة هي تلك التي تستطيع أن تلتقط نبض المجتمع في لحظة معينة من الزمن، أن تُسجل همومه وأفراحه، قلقه وآماله، تناقضاته وصراعاته، وتغوص في أعماق النفس البشرية وهي تتفاعل مع محيطها الاجتماعي، وتكشف عن طبقات الوعي والوجود التي قد لا تظهر على السطح، لكن هذا الالتقاط لا يكون آلياً أو حيادياً، بل يمر عبر وعي الكاتب، عبر رؤيته الفنية والفلسفية، عبر انحيازاته وقِيمه، عبر موهبته في إعادة تشكيل المادة الخام التي يقدمها له الواقع.
الرواية ليست تصويراً فوتوغرافياً للواقع، ولا هي هروب كامل منه إلى عوالم خيالية محضة، إنها علاقة جدلية معقدة، تتداخل فيها خيوط الواقع بخيوط الخيال، وتمتزج فيها الحقيقة بالحلم.
عندما نقرأ “البؤساء” لفيكتور هوغو، نجد أنفسنا أمام لوحة بانورامية للمجتمع الفرنسي في القرن التاسع عشر، بكل طبقاته وفئاته، بفقرائه وأغنيائه، بمجرميه وقديسيه، لكن هل كان هوغو مجرد مصور فوتوغرافي لذلك المجتمع؟ بالطبع لا، لقد اختار أن يركّز على الظلم الاجتماعي، على معاناة الفقراء، قسوة القانون، وإمكانية الخلاص من خلال الحب والتسامح، هذا اختيار واعٍ، وموقف فكري وإنساني، لكنه واقع مُنتقى ومُشكّل ومُعاد صياغته ليخدم رسالة الكاتب ورؤيته.
وحين نتأمل أعمال نجيب محفوظ، خاصة ثلاثيته الشهيرة، نرى القاهرة في عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين تنبض بالحياة، نرى الأسرة المصرية التقليدية، والتحوّلات الاجتماعية والسياسية، نرى صعود الطبقة المتوسطة، والصراع بين القديم والجديد، بين التقاليد والحداثة، لكن محفوظ لم يكن مؤرخاً يسجل الأحداث، بل كان فناناً يعيد خلق الواقع من خلال شخصيات حية نابضة، تتنفس وتحب وتعاني وتحلم، كان يكتب عن المجتمع، لكنه في الوقت نفسه كان يكتب عن الإنسان في كُليتِه، عن أسئلته الوجودية، عن بحثه عن المعنى.
المجتمع إذن ليس مجرد خلفية للرواية، بل هو نسيج حي تتحرك فيه الشخصيات وتتفاعل معه، كما أنّ الإنسان يظل ابن بيئته، ثقافته، وابن لحظته التاريخية، حتى حين يتمرد على مجتمعه، فإنّ تمرده نفسه يُفهم في سياق ذلك المجتمع، الرواية التي تتجاهل البُعد الاجتماعي للإنسان تفقد جزءاً كبيراً من عمقها وواقعيتها، كما أنّ الرواية التي تختزل الإنسان في بُعده الاجتماعي فقط، وتحوّله إلى مجرد نموذج أو رمز اجتماعي، تفقد إنسانيتها وتتحوّل إلى خطاب أيديولوجي جاف.
هنا تكمن براعة الروائي الحقيقي: في قدرته على التوازن بين الفردي والجماعي، بين الخاص والعام، بين الذاتي والموضوعي، الشخصية الروائية العظيمة هي تلك التي تكون فريدة في فرديتها، لكنها في الوقت نفسه تحمل في داخلها صدى الجماعة، وروح العصر، ومشاعر الهموم الإنسانية، حين نقرأ عن آنا كارنينا، نقرأ عن امرأة فريدة بمشاعرها وأزمتها الخاصة، لكننا في الوقت نفسه نقرأ عن وضع المرأة في المجتمع الروسي الأرستقراطي، عن قيود الزواج، النفاق الاجتماعي، والصراع بين الرغبة الفردية والأعراف الاجتماعية.
اقرأ أيضاً
قراءة في رواية “ساق البامبو” لسعود السنعوسي
خوسيه ساراماغو: صانع العوالم الروائية
“المسخ” إحدى روائع فرانز كافكا… عن قرب
السيميائية في الرواية: مفتاح فهم العالم الرمزي
في متاهات السرد: مفاتيح كتابة حبكة روائية تتجاوز حدود الواقع
وهنا، نصل إلى نقطة هامة، تُساعد على فهم الفكرة، وهي أنّ العلاقة بين الرواية والمجتمع ليست في اتجاه واحد فقط، فالرواية لا تعكس المجتمع فحسب، بل يمكن أن تؤثر فيه أيضاً، أن تغيره، أن تساهم في تشكيل وعيه، “كوخ العم توم” لهارييت بيتشر ستو لم تكن انعكاساً لواقع العبودية في أمريكا، بل كانت قوة محركة في الحملة ضد العبودية، روايات تشارلز ديكنز لم تكتفِ بتصوير بؤس الفقراء في إنجلترا الفيكتورية، بل ساهمت في إثارة الرأي العام وفي إصلاحات اجتماعية حقيقية، الأدب إذن ليس مجرد مرآة سلبية، بل هو قوة فاعلة يمكن أن تحرك الضمائر وتغير المواقف.
هذا التأثير يأتي من قدرة الرواية على خلق التعاطف، حين نقرأ، نعيش داخل عقل شخصية أخرى، نرى العالم من خلال عينيها، نشعر بمشاعرها، نفهم دوافعها، وهذا يخلق نوعاً من التعاطف والفهم يصعب تحقيقه بطرق أخرى، يمكن للإحصاءات أن تُخبرنا عن عدد الفقراء أو المهمشين، لكن الرواية تجعلنا نعيش فقرهم وتهميشهم من الداخل، هذا هو سر قوة الأدب: قدرته على تجاوز الحواجز وخلق جسور من الفهم الإنساني.
لكن علينا أن نحذر من الوقوع في فخ النظرة النفعية للأدب، حين تتحوّل الرواية إلى منبر للوعظ أو الخطابة السياسية، تفقد قيمتها الفنية، والقدرة على تقديم صورة متعددة الأوجه للواقع، فالرواية العظيمة لا تقدم إجابات جاهزة، بل تطرح أسئلة عميقة، تحفز القارئ على التفكير، تدعوه إلى رؤية العالم من زوايا جديدة.
في عصرنا الحالي، تصبح مهمة الروائي أكثر تحدياً وأهمية، كيف نلتقط روح عصر متقلب ومتسارع؟ كيف نكتب عن مجتمع يتحوّل باستمرار؟ كيف نعالج قضايا معقدة كالهوية في عصر العولمة، والخصوصية في عصر الرقمنة، والعلاقات الإنسانية في عصر التواصل الاجتماعي؟ هذه أسئلة تواجه كل روائي معاصر.

والحقيقة أنّ الرواية كانت دائماً شكلاً فنياً ديناميكياً، يتطوّر ويتغير مع تغير المجتمع، فالرواية الفيكتورية تختلف عن رواية القرن العشرين، ورواية ما بعد الحداثة تختلف عن كليهما، كل عصر يخلق أشكاله الروائية الخاصة التي تُعبر عن روحه وهمومه، وفي كل حالة، كانت الرواية تستجيب للتحوّلات الاجتماعية والفكرية، تتفاعل معها، تعكسها وتساهم في صنعها في آن واحد.
من المهم أيضاً أن ننتبه إلى أنّ “المجتمع” ليس كياناً واحداً متجانساً، كل مجتمع يتكوّن من طبقات وفئات وجماعات مختلفة، لكل منها ثقافتها وهمومها وطريقة رؤيتها للعالم، والرواية الجيدة هي تلك التي تعي هذا التعدد، التي تقدم أصواتاً متنوعة، وجهات نظر مختلفة، كما وصفها الناقد الروسي ميخائيل باختين: “هي تلك التي لا تفرض صوتاً واحداً مهيمناً، بل تسمح بتعدد الأصوات والرؤى”.
هناك أيضاً البعد التاريخي الذي لا يمكن إغفاله، فالرواية التاريخية، على سبيل المثال، تعيد قراءة الماضي من منظور الحاضر، حين يكتب كاتب معاصر عن فترة تاريخية ماضية، فهو لا يقدم تسجيلاً لما حدث، بل يقرأ ذلك الماضي بعيون حاضره، بانشغالاته وأسئلته الراهنة، هكذا تصبح الرواية التاريخية حواراً بين الماضي والحاضر، وسيلة لفهم جذور الحاضر، وربما أيضاً لتخيّل مستقبل مختلف.
والحديث عن المستقبل يقودنا إلى الخيال العلمي وأدب المدن الفاضلة والديستوبيا، هذه الأنواع الأدبية، رغم أنها تدور في أزمنة وأماكن خيالية، تعكس في الحقيقة هموم وقلق المجتمع المعاصر، “١٩٨٤” لجورج أورويل، رغم أنها تصوّر مستقبلاً خيالياً، كانت في الحقيقة تعليقاً حاداً على الأنظمة الشمولية في عصره، والكثير من روايات الخيال العلمي المعاصرة تعكس قلقنا من التطوّر التكنولوجي المتسارع، من تغير المناخ، من فقدان الخصوصية، من تحوّلات الهوية الإنسانية.
لكن مع كل هذا، يبقى للرواية بُعد آخر لا يمكن اختزاله في البُعد الاجتماعي، وهو البُعد الجمالي، الرواية عمل فني قبل كل شيء، وقيمتها لا تُقاس فقط بمدى دقة انعكاسها للواقع أو بقوة رسالتها الاجتماعية، بل أيضاً ببراعتها اللغوية، بجمال أسلوبها، ببنائها السردي، بعمق شخصياتها، بقدرتها على خلق عالم روائي متماسك ومقنع، فاللغة في الرواية هي جزء من المعنى نفسه، هي الأداة التي تخلق الجو والإيقاع والمزاج.
حين أكتب رواية، أجد نفسي في حوار مستمر مع الواقع من حولي، أنظر وأستمع وأراقب، أمتص الأجواء، أتأمل الوجوه والحركات والكلمات، لكن كل هذا يمر عبر مصفاة الخيال، عبر عملية تحويل سحرية تحوّل المادة الخام إلى فن، فالشخصية الروائية قد تُستلهم من شخص حقيقي، لكنها تتجاوزه، تصبح كائناً مستقلاً له حياته وإرادته الخاصة داخل العالم الروائي، الحدث قد يكون مستوحى من واقعة حقيقية، لكنه يُعاد تشكيله ليخدم الحبكة والبناء الدرامي.
في النهاية، السؤال عن علاقة الرواية بالمجتمع ليس سؤالاً يحتمل إجابة قاطعة بنعم أو لا، إنه سؤال مفتوح، يتجدد مع كل رواية، مع كل كاتب، مع كل عصر، والإجابة الوحيدة المؤكدة هي أنّ الرواية الحقيقية، العميقة، هي تلك التي تنجح في أن تكون صادقة مع نفسها أولاً، مع رؤية كاتبها الفنية، مع التزامها الجمالي، وفي الوقت نفسه أن تكون ذات صلة حية بالإنسان وواقعه، بأسئلته ومعاناته وأحلامه، تلك الرواية التي تجعلنا نرى أنفسنا ومجتمعنا بعيون جديدة، وتمنحنا لحظات من الوضوح والفهم، وربما أيضاً الأمل في إمكانية التغيير والتحوّل.


أضف تعليق