إيمان عابد
في إحدى صالات الانتظار، كان يجلس على واحدة من الأرائك التي تشابكت أياديها مع بعضها البعض، لتلتفّ على طول الصالة وعرضها.
كان يجلس باسترخاء تام استرعى انتباه الحاضرين كلهم، يحتضن بين إصبعيه لفافة السجائر، وكان يرفعها بين الحين والآخر، حتى إذا لامست فاه رشف منها نفساً عميقاً، ثم سرعان ما ينفثه ناراً يتصاعد دخانها في الهواء، بينما نظراته تتبع تلك السحب السوداء باستهتار وسخرية لاذعة حتى تتلاشى ـ كما يعتقد هو ـ وتذوب.
هو لم يفكر لحظة أنّ نار سيجارته تلك ستستقر في صدر أكثر الحاضرين، لتنفث سمومها في أجسامهم، فتؤدي بذلك ما أُوكل إليها من ضررٍ وأذى.
ربما تستقر في صدر شيخ طاعن في السن، أو شاب ما زال في مقتبل العمر، أو امرأة حملت بين أحشائها جنيناً، أو عليلٍ أكل المرض من جسمه وشرب.
هو لم يفكر في ذلك كله، لذلك تراه يسترسل في إشعال السيجارة الواحدة تلو الأخرى، ضارباً حرية الآخرين بعرض الحائط.
السؤال الذي احتبس في صدري وضاقت به نفسي هو: لماذا يلجأ بعض الناس إلى هذه العادة ليتخذها سُنّة ونمطاً له في الحياة؟
ربما كان حبّ الاستطلاع في طليعة الدوافع الرئيسية التي تجرّ المدخن إلى خوض هذه التجربة، أو ربما كان نوعاً من التقليد الأعمى للآخرين ـ وأقصد بالآخرين هنا الوالدين ـ فقد أثبتت الدراسات أنّ الأشخاص الذين يعيشون في ظل أبوين مدخنين أكثر قابلية لتشرّب هذه العادة واكتسابها.
كذلك التأثر بالأقران والأصدقاء يشيع بدرجة كبيرة، خاصة بين المراهقين. ولا ننسى نجوم الفن والسينما، وجريَ الشباب وراء تقليد هذا البطل أو ذاك النجم، معجباً بطريقة إمساكه بالسيجار أو طريقة إشعاله له.
ويؤكد الباحثون أنّ ما يتعرض له الإنسان من ضغوطات نفسية وظروف معيشية وحياتية صعبة، كفيل بأن يلقي بالمرء في شباك تلك المصيدة، متوهماً أنّ في ذلك مهرباً له من واقعه البائس.
فكأنه يجد في إشعاله للسيجار ونفثه لسمومه تنفيساً عن تلك الضغوطات، وتطهيراً لآثارها المتراكمة في نفسه، أو تراه يعتقد أنّ في إطفائه لأعقابها في منفضته إخماداً لما يشتعل في داخله من هموم وآلام.
وبالرغم من أنّ التدخين مشكلة اجتماعية واقتصادية وصحية خطيرة الأبعاد، متفاقمة الآثار، وبالرغم من اتخاذ بعض الدول خطوات عملية للحد من انتشار هذه الظاهرة ـ كفرض قيود على الدعاية للتدخين بكل أشكاله وصوره، ومنعه في الأماكن العامة ووسائل النقل، ورفع قيمة الضرائب على أسعار منتجاته.
أقول بالرغم من هذا كله، إلا أن التبغ بما يحتويه من النيكوتين، الذي هو عقار يشبه الهيروين والكوكايين، استطاع أن يستعبد كثيراً من الناس، ويجرّهم بسلاسل حديدية إلى زنزانة الإدمان، بحيث يصعب على الواحد منهم التخلص والتفلّت منها.
وإن نجح بعضهم في ذلك، فكثير منهم سرعان ما يعود إلى الدرب نفسه، مقبلاً عليه بنهمٍ وشراهة أكبر.
وهنا يعلن الدين كلمته:
“وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ”
وأنّ كل شيء يضرّ بالصحة والمال منهيٌّ عنه:
“لا ضرر ولا ضرار”
“لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ”
ويبقى الإنسان القوي خيراً من الإنسان الضعيف؛ فالإرادة الإنسانية تصنع المعجزات، وتتكفل بحماية صاحبها من شرور تلك الظاهرة.
وقبل كل شيء، يجب أن يكون إحساس الواحد منا بالآخرين واحترامه لحريتهم رادعاً لنا للكفّ والحدّ من انتشار هذه الآفة، على الأقل في الأماكن العامة.


أضف تعليق