عن المتنبي.. تمضي الرياح بما لا تشتهي السفن

أسماء مصطفى الزهري

الأعزاء،

سنفتح معاً مخزون تراثنا الأدبي العربي ليختلط عبقه بثقافتنا العربية الحديثة.

فمن المهم أن نستذكر هذا التراث الأدبي الزاخر بالبلاغة والفصاحة والحكمة، كيما نبقى حافظين على أصولنا غير منشقين عن جذورنا التي تركت لنا حروفاً ذات تاريخ.

اليوم حديثنا عن شطر مأثور، وهو:

(تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ)

مؤكد عزيزي القارئ أنّ هذا الشطر قد مرّ عليك، لكن هل سألت نفسك مرة عن هوية قائله؟ وفيما قاله؟ وما قصته؟ وما هو صدر البيت؟

كل هذا سنجيب عنه بهوادة من خلال عرضنا للمقال التالي.

قائل هذا البيت المأثور هو المتنبي.

المتنبي هو الشاعر اللامع على مر العصور الأدبية جمعاء. نشأ والشعر يجري على لسانه، حيث بدأ بقول الشعر وهو في التاسعة. واشتهر في أشعاره بنبرة الفخر والإعتزاز بالنفس، تناول في قصائده مواضيع الحكمة والفلسفة الحياتية، كما وصف المعارك.

أولاً: من هو المتنبي ؟

هو أحمد بن الحسين الجعفي الكندي  ولد في الكوفه عام ٩١٥م.

قبل أن يصل المتنبي إلى حلب حيث سيف الدولة، تنقل بين العديد من المدن ليتلقى الحكمة والعلم، فكانت ولادته ونشأته في العراق والكوفة، ثم قصد بغداد والشام لطلب العلم وهكذا مر به الحال متنقلاً إلى أن انتهى به الترحال لبلاط سيف الدولة. حيث عرفت العصور القديمة، وبالأخص العصور الإسلامية مثل: الدولة العباسية والحمدانية، بتقرب الشعراء من بلاط الحكم، متسلحين بإحكامهم للشعر وفصاحتهم لتبجيل الحكام رغبة في التكسب والرعاية. كما كان الحكام يستخدمونهم للدعاية والمدح والتأثير السياسي، والمنافسة ونشر التوتر بين من يشكّلون ندية أو تهديداً.

بدأت علاقة المتنبي بسيف الدولة عام ٣٣٧هـ ٩٤٨م، عندما قدِم إلى حلب بعد فترة من الترحال والبحث عن حاكم يقدر موهبته. وكان سيف الدولة آنذاك مشتهراً برعايته للشعراء والعلماء. وفي أول لقاء بينهما، ألقى المتنبي قصيدة مدح وتعظيم، مما أثار إعجاب سيف الدولة، فعيّن المتنبي على إثرها شاعر البلاط. لكن ما الذي ينتظره هناك عزيزي القارئ؟

ظل المتنبي في بلاط سيف الدولة الحمداني في حلب لمدة تسع سنوات (٩٤٨ـ٩٥٧) يحيى حياة الكرام الأشراف حيث كان شاعرالدولة الأول.

لكن بقاء الحال من المحال.

فمع مرور الوقت قارئي العزيز، بدأت تشوب علاقة المتنبي بسيف الدولة بعض الخلافات التي أخذت تتفاقم، وكان سببها هو الحساد والكارهين للمتنبي والواشين من حوله في بلاط سيف الدولة، الذين كانوا يحيكون المكائد لإزاحته وإقصاءه، وأوغروا صدر سيف الدولة ضد المتنبي، الأمر الذي عكّر صفو صورة المتنبي في صدر سيف الدولة.

جدير بالذكر هنا خلاف دار في مجلس سيف الدولة، ولهذا الخلاف أكثر من قصة، أبدؤها بأضعف السرديات لهذه القصة حيث تضعف للأدلة والبراهين. وتنص على أنّ خلافاً محتدماً دار بين أبي فراس والمتنبي، في إحدى مجالس الأدب في بلاط سيف الدولة، وأبو فراس فارس من الأشراف ابن سلالة مالكة يعتد بنُبله وأصله، وما كان يرى في المتنبي سوى متملق أو متكسب بالشعر وشاعر بلاط، يقال أنّ النقاش الذي احتدم بينهما أدى إلى أن ألقى سيف الدولة المحبرة في وجه المتنبي نصرة لأبي فراس، مما أثّر في المتنبي وأحزنه. وأعرض سردية أخرى لهذا الخلاف حيث يقال أنّ سيف الدولة قد رمى المتنبي بالمحبرة بعدما أظهر المتنبي جانب الفخر والتباهي بالنفس في إحدى مجالس الأدب مما أثار غضب الحاضرين، والرمي بالمحبرة يُعد إهانة بالغة. فأدرك أنّ مكانته لدى سيف الدولة قد تزعزعت وخلت مما كان يُجملها ويقويها. ومع الوقت لم يعد يعطى الهبات كما في السابق، وأظهرت الأيام تبدل الحال، مما جعله يوقن أنّ عليه أن ينسحب، وإن لم يقم سيف الدولة بطرده مباشرة؛ إلا أنه الشاعر ذو الأنفة وعزة النفس فقرر بكل أسى مغادرة حلب عام ٩٥٧م، متوجهاً إلى مصر باحثاً عن فرصة أجدى تعوّضه هذه الخسارة، لاسيما أنه شاعر لا يقنع إلا بالمكانة الرفيعة. فقصد حاكم مصر الاخشيدي.

وفي ذلك قال :

“إِذا غامَرتَ في شَرَفٍ مَرومٍ         فَلا تَقنَع بِما دونَ النُجومِ”

لكن يا ترى عزيزي القارئ هل سيجد المتنبي مبتغاه عند الأخشيدي؟

في عام ٩٥٧م ، توجّه المتنبي إلى مصر للقاء كافور الاخشيدي طامحاً في مُلك كريم يمنحه مكانة رفيعة تمكّنه من الحصول على منصب يليق به، إلا أنّ كافور لم يحقق له ما أراد، مما دفع المتنبي إلى مغادرة مصر بعد أربع سنوات. فلقد شعر بأنّ كافور استغل موهبته الشعرية دون أن يعطيه المقابل الذي يستحقه، لا مالاً ولا منصباً. لذا قرر العودة إلى الكوفة.

عاد المتنبي محبطاً حزيناً، ونظم في طريق عودته قصيدته التي قال فيها العجز المنشود اليوم، حيث كان يشعر بالغضب بسبب خيبة أمله في تحقيق أحلامه التي سعى خلفها.

والبيت كاملاً هو:

 “ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ       تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ”

هذا البيت يُعبر عن فلسفة واقعية عميقة لشاعر ذكي طموح أبِي. فهو يُذكّر الإنسان بأنّ الحياة مليئة بالتحديات والعوائق، والطموحات المحطمة.  

معنى البيت:

“ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ”: ليس كل ما يريده الإنسان يتحقق كما يتمنى.

“تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ”: قد تقود الرياح السفن بعيداً عن وجهتها، كما تغير الأقدار سير طموحاتنا.     

يعتبر هذا البيت تعبير عن إحساسه بالمرارة والحقيقة القاسية التي واجهها: أنّ الأمَاني وحدها لا تكفي لتحقيق الأهداف، وأنّ القدر قد يقف أحياناً عائقاً أمام الطموحات، مثلما تعاند الرياح مسار السفن في البحر، والتي بما تشاء، فقد تأخذ السفن بعيداً عن وجهتها المرغوبة. التي ضُرب الشراع لأجلها.

ومن الجميل ذكر بيت القصيدة الأول الذي بدأ به المتنبي قصيدته الفذة بعد مغادرته خائباً:

“بِمَ التَّعَلُّلُ؟ لا أَهْلٌ وَلا وَطَنُ           وَلا نَدِيمٌ وَلا كَأسٌ وَلا سَكَنُ”

كما أحب أن أنوه هنا على الفرق بين “السُّفُن” (بضم السين) و”السَّفْن” (بفتح السين):

1- السُّفُن (بضم السين): هي جمع “سفينة”، وتعني المركب الذي يسير في البحر.

2- السَّفْن (بفتح السين): تعني البحار أو سطح الماء، وهي جمع “سَفْن”، وهو من الألفاظ القليلة الاستعمال في العربية.

والآن قل لي قارئي العزيز، ما رأيك بما مر به شاعرنا اليوم؟ وهل سبق واستخدمت هذا البيت في محادثاتك لتنقل من خلاله معنى الإحباط بسبب خيبة أملك في أمر ما؟


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق