يوسف الخطيب
حين غابت رضوى عاشور عن عالمنا، خيّم صمت ثقيل على عالم الأدب العربي، صمت لم يكن ليناسب امرأة عاشت حياتها، رافضة للخنوع، يا لمفارقات القدر! أن يُسكِت الموتُ صوتاً طالما صدح بالحق، ورفض أن يخفت أمام عواصف الزيف والظلم والاستبداد.
رضوى… اسم على مسمى، فقد كانت رضية النفس، شامخة الرأس، ثابتة المبدأ، لا تلين ولا تنحني أمام عواصف الزمن وتقلباته، تلك المرأة، ذات النظرة الثاقبة، والابتسامة الهادئة، التي كانت تختزن في قلمها سحراً يُحيي الكلمات الميتة، ويُنطق الأحجار الصماء.
لم أعرفها شخصياً، لكني عرفتها من خلال كلماتها، ومن خلال روحها التي تسربت إلى سطور رواياتها، ومن خلال معاركها التي خاضتها بشجاعة وصلابة، عرفتها كما يُعرف البحر من مذاق مياهه، والشجرة من طعم ثمارها، والشمس من دفء أشعتها.
في يوم 26 مايو عام 1946، ولدت رضوى في أحضان قاهرة المعز، تلك المدينة الساحرة التي شهدت ميلاد الثورات، ولدت في عائلة توارثت حب الوطن والتمسك بالمبادئ، فجَدها من الرموز الوطنية المصرية، وأبوها من المناضلين الأحرار.
تشربت رضوى منذ صغرها حب الكلمة الصادقة، والموقف الواضح، والرأي الصريح، لم تكن طفلة عادية، كانت متعطشة للمعرفة، شغوفة بالقراءة، تلتهم الكتب التهاماً، وتتشرب الأفكار تشرباً، وكأنها تعلم في قرارة نفسها أنها ستحمل يوماً مشعل التغيير.
درست في جامعة القاهرة، ثم ابتعثت إلى أمريكا لتنال شهادة الدكتوراه من جامعة ماساتشوستس، وهناك، في بلاد الغربة، اكتشفت هويتها أكثر، وتأصلت جذورها أعمق، وازداد إيمانها بقضايا أمتها رسوخاً، فالشجرة العظيمة، كلما ضربتها الرياح العاتية، ازدادت جذورها تشبثاً بالتربة، وازدادت أغصانها صلابة وقوة.
عادت رضوى إلى وطنها، لتشغل منصب أستاذة الأدب الإنجليزي والمقارن بجامعة عين شمس، ومن على منبر الجامعة، بدأت رحلتها في زرع بذور الوعي والنقد والتأمل في عقول الطلاب، كانت محاضراتها الأكاديمية رحلات فكرية عميقة، تغوص بطلابها في أعماق النصوص، وتعلمهم كيف يقرؤون ما بين السطور، وكيف يواجهون الواقع بعين ناقدة وعقل متفتح.
كم من طالب وطالبة تغيرت حياتهم على يدي رضوى عاشور! كم من عقل تحرر من أغلال الجمود والتقليد! كم من روح اكتشفت جناحيها وحلقت في سماء الإبداع والحرية!
تروي إحدى طالباتها كيف كانت رضوى تدخل قاعة المحاضرات بخطوات واثقة، تضع كتبها على المنضدة بهدوء، ثم تنظر إلى الطلاب نظرة فاحصة، عميقة، كأنها تتلمس في عيونهم شغف المعرفة، ثم تبدأ الحديث بصوت هادئ، رصين، يزداد حماسة وقوة كلما تعمقت في الموضوع.
لم تكن رضوى معلمة بالمعنى التقليدي للكلمة، بل كانت ملهمة، موقظة للضمائر، محفزة للتفكير، موقدة لشعلة الإبداع، كانت تقول لطلابها دائماً: “لا تقرأوا لتحفظوا، بل اقرأوا لتفهموا، ولا تفهموا لتكرروا، بل افهموا لتبدعوا، ولا تبدعوا لأنفسكم، بل أبدعوا لوطنكم وأمتكم وإنسانيتكم”.
كما لم تكتفِ بالتدريس الأكاديمي، فخيالها الخصب وإحساسها المرهف بقضايا العصر، كل ذلك دفعها إلى عالم الإبداع الروائي، بدأت تكتب وتنشر في الثمانينيات، ومنذ روايتها الأولى “حجر دافئ” عام 1985، أثبتت أنها صوت مختلف، متفرد، له بصمته الخاصة في عالم الرواية العربية.
ثم جاءت “ثلاثية غرناطة”، ذلك العمل الملحمي الذي أعاد إحياء فترة تاريخية مفصلية في تاريخ العرب والمسلمين: سقوط الأندلس، لم تكتب التاريخ بجفاف المؤرخين، بل أعادت صياغته بروح الروائية المبدعة، التي تنفخ في الأحداث الحياة، وتكسو الشخصيات لحماً ودماً وروحاً.

واستطاعت رضوى أن تنقلنا عبر الزمن، لنعيش في أزقة غرناطة، ونشهد لحظات المجد الأخيرة لحضارة عريقة، ثم نعايش مأساة السقوط والتشتت والمنفى، كتبت رضوى عن الأندلس، وفي قلبها فلسطين، فكلاهما وطن سليب، وحضارة مغتصبة، وشعب مشرد.
وتوالت بعد ذلك روايات رضوى: “قطعة من أوروبا”، “الطنطورية“، “أطياف”، “مريم والممر”، “الصرخة”… كل رواية منها كانت عالماً متكاملاً، غنياً بالأحداث والشخصيات والأفكار، عميقاً في الطرح والتحليل، جريئاً في تناول القضايا المسكوت عنها والمغيبة.
كانت رضوى تكتب بلغة شفافة، صافية، قوية في بساطتها، عميقة في وضوحها، لغة تشبه ماء النبع الصافي، الذي يروي العطش دون أن يُفقد الماء عذوبته وصفاءه، لم تلجأ إلى التعقيد اللغوي أو البهرجة الأسلوبية أو الزخرفة الشكلية، كانت تؤمن أنّ اللغة وعاء للفكر والمشاعر، وأنّ أجمل اللغة وأقواها هي تلك التي تصل مباشرة إلى القلب والعقل، دون حواجز أو عقبات، منفصلة عن واقعها وقضايا مجتمعها وأمتها، بل كانت مناضلة صلبة، مؤمنة بأنّ الكاتب الحقيقي هو ضمير أمته، وصوت المقهورين، والمدافع عن قضايا العدل والحرية والكرامة الإنسانية.
وكانت من أوائل المثقفين المصريين الذين وقفوا ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني، ورفضت بشجاعة وإصرار أي شكل من أشكال التعاون مع مؤسساته الثقافية أو الأكاديمية، لم تكن فلسطين بالنسبة لها مجرد قضية سياسية، بل كانت جرحاً نازفاً في ضميرها، وهماً يؤرق ليلها، وقضية عادلة آمنت بها إيماناً راسخاً لا يتزعزع.
دفعت رضوى ثمناً باهظاً لمواقفها الجريئة وآرائها الصريحة، تعرضت للتهميش والإقصاء، وحُوربت في رزقها، ومُنعت كتبها من النشر أو التداول في بعض البلدان العربية، لكنها لم تتزحزح عن مبادئها قيد أنملة، ولم تتنازل عن قناعاتها مهما كان الثمن.
كانت تقول دائماً: “ليست القضية أن نقول الحقيقة كاملة، فهذا قد يكون مستحيلاً في بعض الأحيان، ولكن القضية ألا نقول ما نعرف أنه كذب، وألا نصمت عن ظلم نراه، وألا نتواطأ مع باطل ندركه”.
وفي عالم ذكوري يحاول دائماً تهميش صوت المرأة وإقصائها عن الفضاء العام، استطاعت رضوى عاشور أن تفرض حضورها بقوة، ليس بصفتها امرأة، بل بصفتها إنساناً مفكراً، مبدعاً، ملتزماً بقضايا أمته وعصره.
كانت تؤمن بالشراكة الإنسانية، وبأنّ المعركة الحقيقية ليست بين الرجل والمرأة، بل هي معركة مشتركة ضد الظلم والاستبداد والاستغلال بكل أشكاله وألوانه، وارتبطت بالشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، في قصة حب استثنائية، تحدت الحدود والمنافي والظروف القاسية، كانت علاقتهما نموذجاً للتكامل الإنساني والفكري والروحي، هو الشاعر الفلسطيني المشرد، وهي الروائية المصرية الملتزمة، هو يكتب الشعر، وهي تكتب النثر، هو يُعبر عن قضية شعبه بالكلمة الموزونة المقفاة، وهي تُعبر عن قضايا أمتها بالسرد الروائي المتدفق.
وأثمرت هذه العلاقة ابنهما الوحيد تميم، الذي ورث عن أبويه حب الكلمة وعشق الحرية والالتزام بقضايا الأمة، فصار شاعراً مرموقاً، يحمل المشعل الذي أوقده والداه، ويواصل الدرب الذي ساراه.
في أواخر حياتها، أُصيبت رضوى عاشور بمرض السرطان الخبيث، ذلك المرض اللعين الذي ينهش في الجسد، لكنه لا يستطيع أن ينال من الروح أو يهزم الإرادة، صارعت رضوى المرض بشجاعة وصلابة، مثلما صارعت كل تحديات حياتها، وفي خضم معركتها مع المرض، كتبت سيرتها الذاتية “أثقل من رضوى”، تلك الشهادة الصادقة، المؤثرة، على زمن قاسٍ، ومجتمع مضطرب، ومرض عنيد.

كتبت في مقدمة السيرة: “لم أكن أعلم وأنا أتأمل اسمي عنواناً لكتاب، أنني سأكتب نصاً هو أكثر ما كتبت إيلاماً، فأنا أكتب عن الموت الذي يتهددني، وعن المرض الذي يتربص بي، وعن الوجع الذي يسكن جسدي ويقض مضجعي، لكنني أكتب أيضاً عن الحياة التي أحببتها، والأحلام التي راودتني، والأماني التي تعلقت بها، والبشر الذين أحببتهم وأحبوني”.
وفي 30 نوفمبر 2014، توقف قلب رضوى عاشور عن الخفقان، رحلت عنا ولكن آثارها باقية، وأُغلقت عيناها اللتان طالما تأملتا العالم بنظرة إنسانية، وما زالت كلماتها حية، مؤثرة، تُقرأ رواياتها وتترجم إلى لغات العالم، وتُدرس في الجامعات، وتلهم الأجيال الجديدة من الكُتّاب والمفكرين والمناضلين، وصحيح أنّ جسدها قد وارى الثرى، لكن ميراثها الحقيقي ليس مما يوارى في التراب، وكما قال جبران: “الأجساد تذبل كالزهور، ولكن ما تخلفه من آثار لا تمحوها عوامل الفناء”.
سلاماً عليك يا رضوى، في الدنيا ويوم تُبعثين حية.


أضف تعليق