عبدالعليم الصيرفي
لم أكن يوماً حجراً،
أنا ذاكرةُ تخزين، مثل ذاكرة البشر.
أسجّل أحداثاً وأزماناً منذ قامت أركاني،
وارتفعت أول كتلة فوق أخرى ليكتمل بنياني.
1- ميلاد من حجر
وُلدتُ أولاً رسوماً هندسية
على أوراق بردية بعقولٍ مصرية،
وبرعاية إلهية، وهبةٍ ربانية.
ثم شيّدَتني أيدٍ قوية،
بإخلاصٍ وعزيمةٍ سوية،
حوّلتني من نظرياتٍ فرضية
إلى حقائق علمية.
كنتُ شاهدةً على عصورٍ ذهبية،
وعلومٍ خفية.
وُلدتُ فكان الصمتُ عندي هو الأولوية،
لأشاهد أزمنةً اندثرت وأخرى بقيت حيّة.
واليوم… أكسر جدار صمتي لأخبركم
عمّا شهدته عبر العصور من أحداثٍ وأسرار
وما طواه النسيان من جرائم منسية.
فأنا الأثر الخالد الوحيد الباقي
منذ مئات العصور على وجه الكرة الأرضية.
2- الملوك والشعوب
رأيتُ الملوك يتعاقبون عليّ:
منهم الصالحُ، ومنهم الطالحُ،
منهم الظالمُ، ومنهم العادلُ.
كلٌّ كان يظن أنه مُخلّد،
وأنّ عهده لا يندثر ولا يُبدَّل.
رأيتُ من استعبد الشعوب،
ومن شيّد القصور،
ومن سطّر جبروته على جدران المعابد نقوشاً.
رأيتُ مَن شيّد الجيوش،
ومن غزا في سبيل الله والوطن الهكسوس،
ورأيتُ أنبياء غيّروا الطقوس،
وأعادوا نظام الأرض بفعل الناموس.
شهدتُ خوفو وخفرع ومنقرع
يشيّدونني وينقشون أسماءهم وأعمالهم على حجري.
ظنّوا أنّ الملك لهم وحدهم،
فطويتُ قصصهم وأجسادهم في بطني.
أما أنتم ـ يا شعوب الأرض ـ
فرأيتكم عبر العصور:
تكدحون وتزرعون،
تحزنون وتفرحون،
لكنني ما رأيتكم تستسلمون.
إن بغى عليكم باغٍ…
فبأيديكم يُحنَّطون،
وفي أرضكم يُقبرون،
وعلى جدران معابدكم
تُكتب عبرتهم وتُخلَّد.
3ـ الحروب والدمار
آلافُ المعارك دارت أمامي،
وجيوشٌ جرّارة فَنِيَت تحت أقدامي.
بعضهم ابتغى المجد والخلود،
وبعضهم جاء للنهب والجحود.
منهم من شهر السيف ليحميني،
ومنهم من أراد أن يطمس أثري ويفنيني.
أشرقت الشمس فوق رأسي ملايين المرات،
حتى أيقنتُ من طول صمودي
أنّ للأرض أذرُعاتٍ تحميني
من غزو المجرّات.
وقفتُ على شفير الدهور،
أراقب زحفَ العصور،
فما ضرّني روثُ أسراب الطيور،
ولا هزّتني رياح الدهور،
ولا أخرسني صمتُ الصخور.
بقيتُ شامخة…
شاهدةً على مجدٍ لا يبور.
4ـ الأسرار والعلوم
بُنِيتُ بعلومٍ عنكم غريبة،
وما زلتم تنظرون إليَّ في ريبة.
تفرضون الفروض، وتتخيّلون الطريقة،
وأنا كنزُ أسرار…
إن جهلتم فاسألوا الطبيعة.
منذ سبعة آلاف عامٍ وأنا في الطليعة،
كتمتُ أسراري أعواماً،
ولم أحدّث بها الخليقة.
وتأتون اليوم بكل بساطة،
وتريدون “الخريطة”؟
خريطتي سري…
ولن أبوح بالحقيقة.
فأنا خارجُ الزمان،
وهو بوابتي العتيقة.
ابتلع الزمانُ كلَّ شيءٍ حولي،
ثم جاء عندي،
فقدّم نفسه لي وجبةً مديدة.
وما زال الزمان بداخلي،
وما زلتُ له عنيدة.


أضف تعليق