محمد الصغير
في المساء، حين أضع رأسي على الوسادة، لا أكون وحدي.
يبدو الأمر بسيطاً: جسدٌ يستلقي، وعينان تُغلقان، وصمتٌ يُفترض أن يتمدّد.
لكن في الداخل، يحدث العكس تماماً.
تتقدّم الأفكار نحوي من كل الجهات، بلا ترتيب، بلا استئذان، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة تحديداً، لحظة ضعفي الأولى، أحاول أن أتظاهر باللامبالاة، أن أقول لها: ليس الآن، دعوني إلى الغد، لكنّها لا تفهم لغة التأجيل، تبدأ ناعمة، تُداعب أطراف ذهني، تلمسني كما لو أنّها تُجرّب ردة فعلي، فإن لم تجد مقاومة، اشتدّت، وإن وجدت، صارت أشرس.
سرعان ما يتحوّل رأسي إلى حلبة مصارعة.
أفكارٌ بلا ملامح، تضرب بكل اتجاه، من حيث لا أتوقّعه، على الصدغ، خلف العين، في منتصف الصدر، أرفع يديّ، لا لأدافع، بل كمن يُحاول عبثاً أن يحمي نفسه من الهواء، أسقط، أنهض، أسقط مجدداً، وفي كل مرّة أظن أنّ الجولة انتهت، تبدأ جولة أخرى، الغريب أنّي لم أوقّع عقد هذا النزال، ولم أطلبه، ومع ذلك لا أملك حقّ الانسحاب.
ما أكثر من يقول لك: توقّف عن التفكير.
وكأنّ الأفكار كلبٌ شرس، يكفي أن تشير إليه بإصبعك ليجلس.
يقولون: “نَمْ من المغرب”، كأنّ النوم زرّ كهرباء، وكأنّ العقل غرفة يمكن إطفاء الضوء فيها متى شئت، أبتسم أحياناً من هذه النصائح، لا سخرية، بل شفقة، أفكّر أنّ صاحبها لم يعرف بعد ماذا يعني أن تملك رأساً ممتلئاً أكثر من اللازم، رأساً لا يعرف الهدوء، لأنّ الهدوء فيه يشبه الفراغ، والفراغ مخيف.
ثمّة أفكار أخرى، أكثر خطورة، تأتي لتشتيت طاقتك.
تدخل ببطء، تزرع بذورها في جسدك، تجعل الأطراف بطيئة، والنَفَس أقصر، والقلب في حالة استنفار غامضة، هذا النوع قد يُسقِطك أرضاً، يقولون إنّ لها علاجات: تمارين، تنفّس، تفريغ، صحيح، قد تنجح أحياناً، لكنّي تعلّمت أنّه لا يمكنك أن تهزمها، ولهذا من الأجدى أن تُديرها، لتُخفَّف حدّتها، والأهمّ: لا تُعطي تلك الأفكار أكثر ممّا تستحقّ، تذكر أنها تعيش على الطاقة، وكلّما أطلتَ النظر إليها، كبُرت.
ومع ذلك…
ليس هذا ما أقصده تماماً.
ما أعنيه هو ذلك النوع الثالث من الأفكار، تلك التي لا تأتي كعدوّ، بل كنافذة.
أفكارٌ إذا دخلت، اتّسع المكان فجأة، وصار عالمي أوسع من الغرفة، وأخفّ من الجسد، أفكارٌ لا تؤلم، بل تسحبك، كما تسحبك الموجة دون أن تسألك إن كنتَ تجيد السباحة.
أجد نفسي في الفضاء، أطفو بلا خوف، أقترب من أجرامٍ هائلة، أمدّ يدي ولا ألمس شيئاً، ومع ذلك أشعر بالامتلاء، أحياناً أقود مركبةً لا أعرف كيف تعمل، لكنّها تطيعني، أهبط على كوكبٍ غريب، تخرج كائنات لم أرَ مثلها، يداهمني الرعب، أركض، تطاردني، يتسارع النَفَس… ثم أضحك، لأنّي أدرك فجأة أنّ هذا المشهد ليس إجبارياً، وأنّ لي حقّ تبديله.
أفضّل البحر.
دائماً البحر.
أرى نفسي على ظهر سفينة، الليل كثيف، والرياح تعوي، الأمواج ترفعنا، ثم تلقي بنا بلا رحمة، أتشبّث بالصاري، أسمع صراخ البحّارة، أرى الخوف في أعينهم، تفلت يد أحدهم فيسقط أرضاً، وتأخذه الريح إلى حافّة السفينة، يتأرجح كمن فقد عقله ويسير على غير هدى، أدرك أنّ هناك مصيبة ستحدث، أترك مكاني، أزحف نحوه، أمدّ يدي، أنجده… أو هكذا أظن.
في مشهدٍ آخر، يسقط إلى الماء.
لا أفكّر، أقفز خلفه.
الماء بارد، مظلم، لا حدود له، أسبح، أصرخ، أبحث، لا أعرف إن كنتُ أنقذه أم أبحث عن نفسي، الأمواج تفصلنا، ثم تجمعنا، ثم لا أدري ماذا حدث، هل نجا؟ هل نجوتُ أنا؟ لا يهمّ كثيراً، المهمّ أنّ القصة لا تتوقف، ويجب أن تستمر، النهاية هنا لا تتعلق بالموت، وإنما في الانتقال من حالة لأخرى.
تلقي بنا الأمواج على جزيرة، أو صخرة، أو شاطئ لا اسم له، أستلقي، ألهث، أنظر إلى السماء، أفكّر: هل نجوت؟
ثمّ…
يسقط كلّ شيء.
أستيقظ.
الغرفة كما هي، الجسد جافّ، بلا خدوش، بلا آثار.
أبتسم ابتسامة خفيفة، ليست فرحاً ولا خيبة، بل معرفة، معرفة أنّ كلّ ما حدث كان حقيقياً بما يكفي ليُنقذني من نفسي، وخيالياً بما يكفي ليتركني سالماً.
أقول في سرّي:
غداً… سأبحر من جديد.
وأطفئ الضوء.


أضف تعليق