محمود عاطف الخرشه
كغير عادتي، كنت منذ صباح ذلك اليوم ينتابني القلق، كنت أحسب أنّ أمراً ما سيحدث، لا أعرف طبيعته، سببه، أثره، مكان حدوثه. كانت تقلبات النفس تتوالى وتتداخل بين الانشراح حيناً والعبوس ثانية، كنت أراقب كل شيء من حولي بأدق التفاصيل، لكنني كنت لا ألاحظ أي شيء يسير في غير طبيعته الاعتيادية.
كالعادة، خرجت مبكراً إلى بحر أفكاري متأملاً ومستغرقاً في أمواجها المتلاطمة. كان القارب الذي ركبته هو ذات القارب. سررت لأنني وجدته، وتفاءلت برحلة بحرية رابحة.
انطلق بي القارب، وقد بدأت بتفحص شبكة الصيد، فوجدتها على كامل جهوزيتها، حمدت السماء راضياً، لكن ذلك الهاجس الخفي يطاردني بصمت وبإصرار. مع إصراره وتشبثه، ألفته واعتدت عليه.
على طول أكثر من ساعة، حاولت ألا أكون خصماً ونداً له، أو أن أضع نفسي في صف مقابل له، خوفاً من إثارة حفيظته واشتداد حصاره لي. اخترت التماهي مع ظلاله والتغاضي عن وخزاته ونغزاته المتتالية، فالتجاهل أنجع وسيلة للدفاع في ظل الواقع المتأزم.
كانت أمواج البحر تتراقص وتتلوى كراقصة على خشبة المسرح، وقد سلبت لباب المشاهدين سحراً وجمالاً وخفة ورشاقة، رغم ما تبدو عليه بنيتها من سمنة وامتلاء. استطاع طول قامتها وخصوصية ملبسها وبراعة تثنيها ستر وإخفاء ذلك في سمفونية متكاملة الأركان، لترسم لوحة إبداعية غارقة بالإمتاع والأنس والاستحسان.
كنت أرى في تلك الأمواج مذاقاً عذباً وأشتَم من كل أعطاف مخزونها شذى يفوق كل شذى. كانت تقترب مني، وأنا كذلك بتلهف لا أدرك سرّه ولا أقوى فكّ لغزِه.
عبرت تلك الأمواج التي مدت ذراعيها لي، وانقضت. ظل القارب يندفع بي سابراً أعماق عالم مجهول الأركان، يعد لي لغزاً مبهماً. وقد بدت مجاديف رحلتي تتثاقل ويتسلل لها التعب على حين غفلة سرقت إحساسي واختطفت جناني، وتركتني أترنح تعباً وهذياناً.
فجأة، أجفلتُ في ردّة فعل لا إرادية صدرت ربما لتوقظني من شر محدق بدأ يحيق بي ويكتنفي. تنبهت وقد استثيرت كل مكان الفزع من كل مواطنها في جسدي، لأجد نفسي في دهليز ضيق معتم، أمشي.
لم أدرك ضيقه إلا من خلال انعدام الهواء، وبدء إحساسي بحمل ثقيل على صدري كتم أنفاسي. كنت أحاول الشهيق والزفير بصعوبة بالغة، تقطعت أنفاسي. وقد تدحرجت بين خطاي إرادتي بالبقاء ثابتاً. وجدت نفسي تتمزق وتتناثر في هذا الخواء المظلم. لم أعد أتمالك شيئاً من ذاتي المتبلدة، تاهت بوصلة اتزاني، فانطلقت خطاي وحدها تتسارع بعيداً عني. فلم أعد قادراً على اللحاق بها.
انتزع بصري ارتباطه بي ليغدو وحده في هذا الظلام السرمدي. أما يداي فلم تكن هي الأخرى مختارة غير الابتعاد عني وهي تتحسس بأطراف أناملها بحثاً عما تتكئ عليه وتستند إليه.
كل ذلك وعقلي يشاهد قلبي آخر الفارين مني، الذي بدأ يبتعد عني في حركة لولبية في خط مستقيم بتسارع حاد وكبير. كان يتأمل عدوه كحصان جامح، كجمل هائج انفلت من عقاله ليدرك شدة العداوة أو ربما الكره الذي كان يحمل ذلك القلب لصاحب هذا الجسد. فلم يلتفت إلى الخلف، لم يودع مضيفه وساكنه.
لم تحمله تلك الذكريات التي بناها مع ذلك الجسد على مدار ستة من العقود، لم تحمله إلى الوفاء في زمن قلّ فيه الوفاء. كان يعدو متحرراً، عندها ارتد العقل إلى نفسه شارداً متأملاً، فبدأ يلملم حاجاته ومتعلقاته ليستعد إلى رحيل بعد أن خانته كل أدواته.


أضف تعليق