خالد دومه*
وقف أمام المرآة التي كانت تعكس صورته. كان يحدثها بصوتٍ خافت.
إنها تعكس تلك التجاعيد التي رسمتها الأيام على جبينه، ملامح متجهمة تراكمت من حوادث الأيام، ذلك القبح القديم الذي يطارده في فراشه كلما أراد أن يضع جسده المنهك، فتطارده الكوابيس وتُنغّص عليه.
إنه يدقّق في تلك الملامح التي لازمته سنواتٍ طوال؛ كيف صارت بشعةً مخيفة؟
حدّثته المرآة عن تلك الأيام، وفجّرت في نفسه كماً رهيباً من المآسي القديمة التي أحرقت فيه كل نبض. حاول أن يخرج إلى الحياة ليشعر بشيءٍ منها.
إنّ المرآة تعكس كل شيء، كل خلجة تسكن فيه. إنّ شظية واحدة منها كفيلة بتشريح نفسه من الداخل، تخبر بما لا تراه العيون، وتعزف عن رؤية الحقيقة المؤلمة. إنها أشبه بتلك المرآة المتكسّرة حين تتناثر شظاياها في كل مكان؛ إنها تُدمي، ففيه منها تلك الشظايا النفسية المتهدمة المتكسّرة.
إنه أيضاً شظايا نفس بعثرتها سنوات الألم. إنها غير قادرة على ترميم ما حطمته أيدي الآخرين، وأعجز ما يكون في إعادة نفسه.
حكت له المرايا التي عكست آلاف الوجوه، فلم ترَ وجهاً كوجهه، ولا نفساً كنفسه، وإنه هو من يعكس صورة المرآة وليس العكس. إنها لم تتطلع إلا إلى الغرور والنفاق الذي قرأته على الوجوه التي تبدو جميلة من الخارج، ولكنها تحمل كل معاني القبح والسقوط.
قالت له:
إنّ وجهك، وإن كان قبيحاً تملؤه المنحنيات والتجاعيد، فإنه جميل، لأنّ له قلب إنسان يحمل كل عطف. إنّ تلك الشظايا هي حصيلة النقاء حين تحترق نفوس لأجل الحب، لأجل الخير.
قالت له المرآة:
دقّق النظر لترى أعماق نفسك، اعكسها لترى أنّ هناك نوراً ينبعث، وشعاعاً يشق منافذ النفس ليضيء. إنك تتألم، وفي الألم تصفية للغبار الذي يشوّه الصورة؛ فإنها ضريبة يدفعها كل ذي قلب. فلا بأس أن ترى القبح والتجاعيد إن نظرت نظرة سطحية.
إنك أكبر من أن تسأم، أو تهزمك الأيام وتجعل صورة الحياة سوداء، فتنعكس على ملامحك قسوة ويأس. إنّ بداخلك عالماً لا تحدّه حدود مرآتي. لتكن نفسك مرآة العالم المحيط بك.
ليس وجهك كل ما يبدو على صفحة المرآة؛ إنها لا تعكس إلا قطرة صغيرة، نقطة واحدة خلفها مئات النقاط. فإن كانت الأولى باهتة سوداء، فخلفها المئات من الألوان التي تبتهج لها النفس وتسعد برؤيتها.
أأقول أنا لك ذلك؟
كان من المفترض أن تعلّمني إيّاها. ففي كل وجه يقع على صفحتي سمتٌ خاص، ملامح لا يشاركه فيها أحد. غير أنّ النفوس والضمائر تعكس أهوالاً؛ فالمتشابهون في الطمع كثيرون، والمتشابهون في الظلم كثيرون. إنهم فِرق عظيمة وأفواج لا حصر لها.
أما أنقياء الضمير، أصفياء النفوس، فإنهم من القلّة، بحيث يصعب عليك أن تجدهم أو تعثر عليهم. إنني أعكس الوجوه، ولكنني لا أعكس لهم ما يكمن فيهم، ولو فعلت لما وجدت الناس يهيمون بالمرايا، يقفون متباهين بأشكالهم ومظاهرهم، يغلب عليهم التيه والكبرياء.
أنت تفرّ مني، وأنا أراك أشدّهم جمالاً رغم قبح ما ترى أنت من ملامح. إنّ عزائي أن أراك، أن تنظر فيّ، كي تمدّني بأمل من تلك العيون الضيقة؛ فلونها يُشبع مني جوعاً ويرويني بالماء الزلال.
فلا تشقني بأن تحرمني من القليل الذي أستمده منك، ومن غيرك من أصحاب القلوب، فليس هناك منها سوى النادر.
*كاتب وروائي مصري، حاصل على ليسانس دار العلوم – جامعة القاهرة، له عدة روايات وكتب أدبية، ويكتب المقالات الصحفية.


أضف تعليق