اجعل هذا العام أفضل أعوامك مع الكتب
هديل حسين
في العام الماضي قرأت كثيراً، لكنني في الحقيقة لم أقرأ شيئاً، أعني أنّ الأرقام كانت مبهرة 47 كتاباً، يمكنني أن أتباهى بها على أي تطبيق لتتبع القراءة، لكن حين سألني صديق: “ما الكتاب الذي غيّر شيئاً فيك هذا العام؟” وقفت صامتاً، تصفحت ذاكرتي كمن يبحث في أدراج فارغة، قرأت 47 كتاباً ولم يغيّر أي منها شيئاً.
كانت تلك اللحظة كافية لأعيد التفكير في كل شيء.
ما سأشاركك به ليس قائمة كتب لتقرأها، ولا خطة للقراءة بسرعة أكبر، ولا نصائح لـ”إنهاء المزيد من الكتب”، ما سأشاركك به هو اثنتا عشرة فكرة غيّرت علاقتي بالقراءة تماماً، أفكار قد تبدو غريبة في البداية، لكنها قد تجعل عام 2026 أفضل أعوامك مع الكتب، ليس لأنك ستقرأ أكثر، بل لأنك ستقرأ بشكل أعمق.
الفكرة الأولى: اقرأ كتاباً واحداً عشر مرات بدل عشرة كتب مرة واحدة
أعرف أنّ هذا يبدو جنوناً في عصر نقيس فيه أنفسنا بعدد الكتب التي تم قراءتها، لكن فكّر معي: ما الذي تتذكره حقاً من آخر عشرة كتب قرأتها؟ فصل هنا، فكرة هناك، شعور عابر بالحماس ثم… لا شيء.
القراءة الحقيقية ليست مروراً على الكلمات، القراءة الحقيقية هي أن يتسرب الكتاب إلى طريقة تفكيرك، إلى قراراتك، إلى محادثاتك، إلى هويتك، وهذا لا يحدث من قراءة واحدة.
جرّب هذا العام أن تختار كتاباً واحداً، وعاهد نفسك على قراءته مرة كل شهر، ستكتشف في القراءة الثانية ما فاتك في الأولى، وفي الثالثة ستجد طبقات لم تكن تعرف بوجودها، بحلول القراءة السادسة أو السابعة، سيصبح الكتاب جزءاً منك بطريقة لا تستطيع الكتب الأخرى منافستها.
لا تسأل: “كم كتاباً قرأت؟” اسأل: “كم كتاباً سكن داخلك؟”
الفكرة الثانية: اقرأ ما يزعجك، لا ما يريحك
نحن نقرأ عادة ما نعرفه بالفعل، نختار كتباً تتوافق مع معتقداتنا، مقالات تعزز آراءنا، مؤلفين يفكرون مثلنا، هذا النوع من القراءة مريح جداً، ومميت جداً.
القراءة التي لا تزعجك قليلاً لا تفعل شيئاً، لا تحرك فكرة، لا تهز قناعة، لا تفتح باباً، إنها مجرد تدليك للأنا، تصفيق ذاتي على أفكار تمتلكها بالفعل.
هذا العام، تعمّد أن تقرأ كتاباً واحداً على الأقل تعرف مسبقاً أنك ستختلف معه، كتاباً يدافع عن فكرة تعتبرها خاطئة، أو يتبنى موقفاً فلسفياً مناقضاً لموقفك، لا تقرأه لتنتقده، اقرأه بنِيّة حقيقية للفهم: لماذا يؤمن هذا الشخص بما يؤمن به؟ ما الذي يراه ولا أراه؟
قد لا تغيّر رأيك، لكنك ستفهم من يختلفون معك بشكل أعمق، وهذا، في عالم يتسرب منه التعاطف، قد يكون أثمن ما تمنحك إياه القراءة.
الفكرة الثالثة: خصص وقتاً للقراءة البطيئة المتعمدة
لدينا هوس بالسرعة، نتباهى بإنهاء الكتب، نتسابق مع أنفسنا ومع الآخرين، نقيس قراءة الصفحات في الساعة، لكن السرعة في القراءة تشبه السرعة في تناول الطعام، تملأ المعدة دون أن تمنح الجسم فرصة التذوق.
جرّب هذا العام شيئاً مختلفاً: خصص ساعة أسبوعياً للقراءة البطيئة المتعمّدة، بطء حقيقي، اقرأ فقرة واحدة، توقف، فكّر، اسأل نفسك: ما الذي يقوله؟ هل أوافق؟ كيف يتصل بحياتي؟ ثم اقرأ الفقرة التالية.
ستنهي صفحات قليلة في الساعة، لكن كل صفحة ستصبح جزءاً منك، ستتذكرها، ستفكر فيها، ستستخدمها، صفحة واحدة تسكن في ذهنك أثمن من مئة صفحة تمر عليها.
الفكرة الرابعة: اقرأ كتباً لا علاقة لها بحياتك المهنية
في مرحلة ما، تحوّلت القراءة عند كثيرين إلى استثمار، لنتعلّم مهارات، لنُحسّن أداءنا، لنتقدم في مسيرتنا، القراءة صارت واجباً آخر في قائمة المهام.
لكن القراءة ليست استثماراً، أو بالأحرى، ليست استثماراً يمكن قياس عائده، أفضل الكتب التي قرأتها لم تعلّمني مهارة يمكنني وضعها في سيرتي الذاتية، علّمتني كيف أنظر للعالم بشكل مختلف، كيف أفهم البشر بشكل أعمق، كيف أجد معنى في ما يبدو بلا معنى.
هذا العام، اقرأ كتباً لا فائدة عملية منها، رواية لن تعلّمك الإدارة، شعراً لن يحسّن إنتاجيتك، فلسفة لن تساعدك في اجتماع الغد، كتاباً عن الفلك أو التاريخ القديم أو علم الحشرات، اقرأ لأنك فضولي.
الفكرة الخامسة: تخلَّ عن الكتب دون ذنب
ثمة خرافة نؤمن بها سراً: أنّ الكتاب الذي بدأته يجب أن تُنهيه، نشعر بالذنب حين نترك كتاباً في منتصفه، كأننا خذلنا أحداً ما، لكن الكتب ليست أشخاصاً، لا تشعر بالإهانة حين تتركها، كما أنه لا قيمة لإنهاء كتاب لا يضيف لك شيئاً.
هذا العام، امنح نفسك الإذن بالتخلي، إن قرأت خمسين صفحة ولم يحدث شيء، اتركه، إن شعرت أنك تجبر نفسك على القراءة، توقف، إن اكتشفت أنّ الكتاب ليس لك، انتقل للتالي، حياتك أقصر من أن تُضيّعها في كتب لا تستحق وقتك.
وإليك سر: الكتاب الذي تتركه اليوم قد يكون الكتاب المناسب بعد سنوات، ربما لم تكن جاهزاً له، ربما لم يحِن وقته، الكتب صبورة، ستنتظرك.
الفكرة السادسة: اقرأ مع شخص آخر
القراءة فعل فردي في الغالب، لكن شيئاً سحرياً يحدث حين تصبح جماعية.
لا أقصد نوادي الكتب التقليدية عندما يقرأ الجميع كتاباً ثم يجتمعون لمناقشته باختصار، أقصد شيئاً أعمق: أن تجد شخصاً واحداً – صديقاً، شريكاً، أخاً – وتتفقا على قراءة كتاب معاً، ليس بالضرورة في الوقت نفسه، لكن بالتوازي، تقرأ فصلاً وتتحدثان عنه، تشارك ما أعجبك، ويشارك ما أزعجه، تتناقشان، تختلفان.
القراءة مع آخر تصنع من الكتاب الواحد كتابين، كتابك وكتابه، والمحادثات حول الكتب غالباً ما تكون أعمق من المحادثات حول أي شيء آخر، لأنها تمس ما نفكر فيه وما نشعر به حقاً.
اقرأ أيضاً
من الصفر حتى القراءة: 6 خطوات لتطوير عادة القراءة
أكثر من حياة واحدة: فلسفة العقاد في عشق القراءة
كيف ينبغي للمرء أن يقرأ كتاباً؟
لماذا نقرأ؟ رؤية جديدة من أدب أمريكا اللاتينية
كتاب واحد في الشهر: تحدي القراءة لعام 2025
الفكرة السابعة: اقرأ والقلم في يدك
هناك من يقرأون الكتب كأنها متاحف: لا تلمس، لا تترك أثراً، أعِد كل شيء كما وجدته، يحافظون على نظافة الصفحات، يتجنبون الطي والتظليل والكتابة في الهوامش.
هذا احترام في غير محله، الكتاب ليس قطعة فنية للعرض، بل أداة للتفكير، والأدوات تُستخدم، تتسخ، تحمل آثار صاحبها.
هذا العام، اقرأ والقلم في يدك، ظلّل الجمل التي تثيرك، اكتب في الهوامش: “لا أوافق” أو “كيف؟” أو “جميل جداً” أو “هراء!”، ارسم أسهماً بين الأفكار المتصلة، اطوِ الصفحات التي تريد العودة إليها، وسيصبح الكتاب حياً بطريقة لم تعرفها من قبل.
وحين تعود للكتاب بعد سنوات، ستجد نفسك القديمة في الهوامش، ستقرأ ما كتبته وتبتسم أو تندهش أو تخجل، ستكتشف كم تغيّرت، هذا وحده يستحق كل قلم جاف في العالم.
الفكرة الثامنة: اقرأ الكتب القديمة أكثر من الجديدة
نحن مهووسون بالجديد، الكتب الصادرة هذا العام، القوائم الأكثر مبيعاً، الأسماء التي يتحدث عنها الجميع، لكن معظم الكتب الجديدة لن تُقرأ بعد عشر سنوات، وما يُقرأ منها بعد مئة سنة نادر جداً.
الكتب القديمة التي وصلت إلينا عبر قرون اجتازت أصعب اختبار ممكن: اختبار الزمن، ملايين القرّاء قرأوها ووجدوا فيها شيئاً يستحق الحفاظ عليه، هذا ليس ضماناً بأنها ستعجبك، لكنه إشارة قوية بأنها تحمل شيئاً حقيقياً.
هذا العام، اجعل نصف قراءاتك على الأقل من الكتب التي مضى على نشرها أكثر من خمسين عاماً، الكلاسيكيات التي سمعت عنها لكن لم تقرأها، الفلاسفة القدامى، الروائيون الذين نسيهم الزمن ثم أعاد اكتشافهم، الشعراء الذين ماتوا قبل أن تولد أنت أو أجدادك.
ستكتشف أنّ الأسئلة الكبرى لم تتغير، الحب والموت والمعنى والخوف والأمل، كلها موجودة في نصوص عمرها ألف سنة بنفس حدّتها اليوم، ستشعر باتصال غريب مع أشخاص لم تلتقي بهم، وهذا الاتصال من أجمل ما تمنحك إياه القراءة.
الفكرة التاسعة: خصص يوماً واحداً للقراءة فقط
نقرأ عادة على فترات: عشر دقائق هنا، نصف ساعة هناك، قبل النوم حين نكون منهكين، هذه القراءة المجزأة تصنع علاقة مجزأة مع الكتب.
جرّب مرة واحدة في الشهر أن تخصص يوماً كاملاً للقراءة، يوم بلا مواعيد ولا مهام ولا شاشات أخرى، استيقظ، اصنع قهوتك، اجلس في مكان مريح، واقرأ، اقرأ حتى تتعب، استرح قليلاً، ثم عُد للقراءة، اسمح للكتاب أن يستولي عليك.
ستكتشف أنّ القراءة المستمرة تجربة مختلفة كلياً، الكتاب يفتح أبوابه لك بشكل مختلف حين تمنحه وقتاً متواصلاً، ستدخل في حالة غريبة من الانغماس، كأنّ العالم الخارجي يتلاشى والعالم داخل الصفحات يصبح حقيقياً.
يوم واحد في الشهر، اثنا عشر يوماً في السنة، هذا ليس كثيراً، لكنه قد يغيّر كل شيء.
الفكرة العاشرة: أعد قراءة الكتب التي شكّلتك
لدى كل منا كتب غيّرت شيئاً فيه، كتاب قرأته في المراهقة وأثّر في نظرتك للعالم، كتاب وجدته في لحظة صعبة فمنحك ما احتجت إليه، كتاب فتح باباً في مخيلتك لم يُغلق منذ ذلك الحين.
متى آخر مرة عُدت لهذه الكتب؟
نحن لسنا القرّاء أنفسهم الذين كنّا في الماضي، الكتاب الذي قرأته في العشرين ستقرأه بشكل مختلف في الأربعين، ما أثارك حينها قد لا يثيرك الآن، وما لم تفهمه حينها قد يصبح واضحاً الآن.
هذا العام، عُد لكتاب قديم أحببته، اقرأه كأنك تلتقي بصديق قديم بعد غياب طويل، ستكتشفان معاً كم تغيّرتما، وستجد في هذا اللقاء شيئاً لا تجده في أي كتاب جديد.
الفكرة الحادية عشرة: اكتب عن كل كتاب تقرأه
ليس مراجعة للنشر، أو ملخصاً للآخرين، اكتب لنفسك.
بعد كل كتاب، اجلس لعشر دقائق واكتب: ما الذي بقي معي من هذا الكتاب؟ ما الفكرة التي غيّرت شيئاً في تفكيري؟ ما السؤال الذي طرحه ولم يُجب عنه؟ ما الذي سأتذكره بعد سنة؟
هذا التمرين يفعل شيئاً غريباً: يحوّل القراءة من استهلاك إلى هضم، حين تجبر نفسك على الكتابة عن كتاب، تجبر نفسك على التفكير فيه، لا يمكنك أن تكتب عن شيء لم تفهمه، ومحاولة الكتابة تكشف لك ما فهمته وما لم تفهمه.
مع الوقت، ستتراكم لديك مكتبة من الانطباعات، ستعود إليها وتقرأ ما كتبته عن كتاب قبل سنوات، ستجد أفكاراً نسيتها، واكتشافات لم تتذكرها، وأحياناً ستجد نفسك القديمة تتحدث إليك عبر الصفحات.
الفكرة الثانية عشرة: توقف عن القراءة
هذه قد تبدو نصيحة غريبة في مقال عن القراءة، لكن اسمعني.
القراءة غذاء للعقل، لكن حتى الغذاء يحتاج وقتاً للهضم، إن أكلت باستمرار دون توقف، ستصاب بالتخمة، والقراءة المستمرة دون توقف تصيب العقل بتخمة مماثلة.
بين الكتب، امنح نفسك فترات صمت، أيام أو أسابيع لا تقرأ فيها شيئاً جديداً، دع ما قرأته يستقر، يتخمّر، يجد مكانه في ذهنك، فكّر في ما قرأته، تحدث عنه، جرّب أفكاره في حياتك، ثم، حين تشعر بالجوع الحقيقي للقراءة، لا الجوع المصطنع الذي نُسميه “عادة”، عُد للكتب.
القراءة من شهية حقيقية تجربة مختلفة تماماً عن القراءة من عادة أو واجب، الكلمات تصل بشكل مختلف حين تبحث عنها.
في النهاية، لا أعدك بأنّ هذه الأفكار ستجعلك تقرأ أكثر، قد تقرأ أقل في الواقع، لكنني أعدك بشيء آخر: ستقرأ بشكل مختلف، ستتوقف عن عدّ الكتب وتبدأ بقياس أثرها، ستتوقف عن السباق مع الآخرين وتبدأ محادثة حقيقية مع الصفحات.
القراءة في أفضل حالاتها ليست إنجازاً تضيفه لسيرتك، إنها علاقة مع الكتب، مع الأفكار، مع نفسك، ومثل أي علاقة حقيقية، تحتاج وقتاً واهتماماً وحضوراً، لا يمكنك أن تسرع فيها وتتوقع أن تعطيك أفضل ما عندها.
أتمنى أن يكون عام 2026 مليئاً بالكتب التي تسكن وجدانك، والأفكار التي تزعجك ثم تبهرك، والأحاديث الصامتة مع كتّاب لم تعرفهم من قبل، أتمنى لك قراءة بطيئة وعميقة ومتعمدة، وأتمنى لك كتاباً واحداً يغيّر شيئاً حقيقياً، هذا وحده يجعل عام القراءة جدير بك.


أضف تعليق