محمد البلوشي
في إحدى الليالي، بينما كنت أحاول الكتابة، خطر لي سؤال غريب: لو كنت سأموت غداً، ماذا كنتُ سأكتب الليلة؟
لم يكن السؤال فلسفياً مجرداً، كنت أجلس أمام مقال كتبته ثم حذفت نصفه، أراجع كل جملة وأتساءل: هل ستُغضب أحداً؟ هل سيفهمها الناس خطأ؟ هل أبدو متعالياً؟ هل أبدو ساذجاً؟ كنت أكتب وعيني على القارئ، على الناقد، على الصديق الذي قد يسخر، على الغريب الذي قد يُسيء الفهم، كنت أكتب للجميع إلا لنفسي.
ثم جاء السؤال: لو كنتُ سأموت غداً، هل سيهُمّني أي من هذا؟
الإجابة كانت صاعقة في بساطتها: لا.
نحن الكتّاب نتحدث كثيراً عن “حرية التعبير” كأنها شيء يمنحه لنا الآخرون أو يمنعونه عنا، لكن الحقيقة الأصعب أنّ معظم القيود على كتابتنا نصنعها بأنفسنا، أتحدث عن الرقيب الداخلي، ذلك الصوت الذي يهمس بينما تكتب: “لا تقل هذا، سيغضب فلان”، “لا تكن صريحاً جداً، سيظنون أنك تتباهى”، “لا تكشف هذا عن نفسك، سيستخدمونه ضدك”.
هذا الرقيب لا ينام، يقرأ كل جملة قبل أن تكتبها، يُعدّل كل فكرة قبل أن تتشكّل، يُلطّف كل رأي حتى يصبح بلا طعم، وفي النهاية، ما يصل للقارئ ليس صوتك الحقيقي، بل نسخة مُعقّمة، منزوعة الحواف، آمنة ومملة.
فكّر في الأمر: ما الذي يخيفك من الكتابة الصادقة؟
ربما تخاف أن يكرهك الناس، ربما تخاف أن تخسر أصدقاء، ربما تخاف أن يُساء فهمك، أن تُوصم بصفة لا تريدها، ربما تخاف أن يكتشف الناس من أنت، هذه الأجزاء التي تخفيها، الأفكار التي لا تقولها، المخاوف التي تتظاهر بعدم وجودها.
الندم على ما لم تكتبه أثقل من أي ثمن تدفعه على ما كتبته.
الآن تخيّل أنك ميت.
كل هذه المخاوف ستتلاشى، الميت لا يهتم بمن يكرهه، ولن يخسر فرصة لأنه لم تعد هناك فرص بالأساس يخاف عليها، الميت لا يُساء فهمه لأنه ليس موجوداً ليدافع عن نفسه أو يوضّح، الميت حر تماماً، حرية مطلقة لا يمتلكها الأحياء، هذه الحرية هي ما أبحث عنه حين أكتب، أحاول أن أستعيرها من موتي القادم، أن أكتب كأنني لن أكون هنا غداً لأواجه العواقب.
قبل أشهر، قررت أن أجرّب هذه الفكرة بشكل عملي، ولمدة أسبوع، كتبت كل يوم كأنه آخر يوم أعيشه على الأرض، وقبل كل جلسة كتابة، أغمض عيني وأتخيل: هذا آخر شيء سأكتبه، هذه الكلمات هي ما سيبقى مني.
النتائج كانت مذهلة ومخيفة.
كتبت أشياء لم أكن أجرؤ على كتابتها، كتبت عن خوفي من الفشل، خوف حقيقي، عميق، يقضّ مضجعي أحياناً، لا الخوف المُعلّب الذي نتحدث عنه في المقالات التحفيزية، كتبت عن علاقات فاشلة بصراحة أحرجتني حين أعدت قراءتها، كتبت عن أفكار أحملها ولا أقولها لأنها “غير مقبولة” أو “ستُفهم خطأ”، كتبت عن نفسي كما هي، لا كما أريد أن يراها الآخرون.
لم أنشر كل ما كتبته، بعضه كان شخصياً جداً، بعضه كان بحاجة للصقل، لكن تلك الكتابة الحرة أعطتني شيئاً لم أعرف أنني أفتقده: صوتي الحقيقي.
لكن دعني أوضّح شيئاً مهماً: الكتابة كميت ليست للاستعراض ونشر الغسيل كما يقولون.
هناك فرق كبير بين الصدق والتعرّي، الصدق أن تكتب ما تعرفه بالفعل، ما تشعر به، ما يشغل بالك، حتى لو كان محرجاً أو صعباً، التعرّي أن تكشف أسرارك لمجرد الإثارة، وأن تستخدم ألمك كأداة لجذب الانتباه، لماذا ستفعل ذلك؟ ولمن؟ الميت لا يبحث عن إعجاب أو تعاطف، ويكتب لأنّ هناك شيئاً يجب أن يُقال، ولم يعد هناك سبب لكتمانه.
الصدق الحقيقي ليس سهلاً، يحتاج شجاعة، لكنه يحتاج أيضاً حكمة، أن تميّز بين الحقيقة التي تُنير العقل والحقيقة التي تجرح بلا داعٍ، الموت يحررك من الخوف، لكنه لا يعفيك من المسؤولية، وحين أتأمل الكتّاب الذين أحبهم، أجد أنّ معظمهم كتبوا شيئاً كهذا.
اقرأ أيضاً
10أسرار لجعل كتابتك أفضل: كيف ترتقي بالكتابة إلى مستوى استثنائي؟
كيف تكتب بصدق وتأثير عاطفي؟
من نحن حين نكتب؟ الأدب كهوية وكشف للذات
رحلة الكاتب مع الكتابة اليومية
روح متمردة
كافكا كتب “التحوّل” و”المحاكمة” ولم ينشرها في حياته، كتب كأنه يتحدث لنفسه، دون توقع جمهور أو نجاح، ربما لهذا جاءت كتابته بتلك الغرابة الصادقة، لم يكن يحاول إرضاء أحد.
إيميلي ديكنسون كتبت ألفي قصيدة ولم تنشر منها إلا عشراً في حياتها، كتبت في عزلة شبه تامة، دون أمل في شهرة أو اعتراف، وربما لهذا جاء شعرها بتلك الحدّة والصدق، لم تكن تكتب للعالم، كانت تكتب لنفسها.
نجيب محفوظ نفسه قال في أحد حواراته إنه يكتب كأنه يتحدث لشخص غير موجود، لا للناقد ولا للقارئ ولا للجائزة، يكتب للكتابة نفسها، كأنها فعل خاص لا علاقة له بالنشر، هذه الروح – روح من لا ينتظر شيئاً – هي ما يجعل الكتابة حية.
لكن، ما الذي يجعلني أكتب كميت؟ في الحقيقة ليس هناك وصفة سحرية، لكن ثمة ممارسات عملية ساعدتني في هذا الطريق:
أكتب المسودة الأولى بلا نية للنشر، أقول لنفسي إنّ هذا النص لن يراه أحد، ثم أكتب ما أريد، بعد ذلك، قد أنشره أو لا أنشره، ولهذا تأتي المسودة الأولى متحررة من أي قيود، وأتخيل أحياناً أنني أكتب لشخص واحد، ليس جمهوراً مبهماً، بل صديق واحد يعرفني ويحبني رغم عيوبي، أكتب له كأنني في آخر محادثة، أريد أن أقول له كل ما لم أقله، هذا يجعل الكتابة حميمية وصادقة.
الكتابة التي تبقى ليست الأكثر أماناً أو الأكثر صقلاً، الكتابة التي تبقى هي التي جاءت من مكان حقيقي، من إنسان واجه نفسه.
أحتفظ بدفتر للكتابة الحرة، نصوص لا أنوي نشرها أبداً، هذا الدفتر مساحة آمنة للتجريب، للفشل، للصدق المطلق، بعض ما أكتبه هناك سيئ، محرج، لكن بعضه يفاجئني بصدقه، ويجد طريقه في النهاية للنصوص المنشورة، وأتذكر قبل كل جلسة كتابة، أنني لن أعيش للأبد، إنه تذكير بأنّ الوقت محدود، وأنّ التردد والخوف ترف لا أملكه.
لكن كن مستعداً: الكتابة كميت لها ثمن.
حين تكتب بصدق، بعض الناس لن يحبوا ما تكتبه، بعضهم سيغضب، سيبتعد، سيُسيء الفهم رغم كل محاولاتك للوضوح، هذا جزء من الصفقة، لكن فكّر في البديل، أن تكتب نصوصاً آمنة لا تُغضب ولا تُلهم أحداً، وأن تصل لنهاية العمر وأنت تتساءل: ماذا لو كنت أجرأ؟ ماذا لو قلت ما أردت قوله بالفعل؟
الندم على ما لم تكتبه أثقل من أي ثمن تدفعه على ما كتبته.
هذا ما تعلمته من تجربتي: الموت التخيلي لا يُنهي الكتابة، بل يُطلقها.
حين تتخلى عن الخوف، تكتشف أنّ لديك أشياء كثيرة تريد كتابتها، حين تتوقف عن القلق بشأن ردود الفعل، تجد أنّ صوتك كان مدفوناً تحت طبقات من الحذر، حين تكتب كأنك لن تكون هنا غداً، تكتشف ما يستحق فعلاً أن يبقى، الكتابة التي تبقى ليست الأكثر أماناً أو الأكثر صقلاً، الكتابة التي تبقى هي التي جائت من مكان حقيقي، من إنسان واجه نفسه.
وهنا أدعوك لتجربة صغيرة: في جلسة كتابتك القادمة، تخيّل أنها الجلسة الأخيرة.
لا تفكر في من سيقرأ، ولا في ما سيقولونه عنك، ولا في العواقب، فكّر فقط: ما الذي تريد أن تقوله قبل أن تذهب؟ ما الفكرة التي تؤرقك ولم تجرؤ على البوح بها؟ ما القصة التي تعرف أنها مهمة لكنك تخشى أن تحكيها؟
ثم اكتب.



أضف تعليق