عبدو بليبل
وبينما كنتُ أعدو باتجاه الشمس، التي طفقت تميدُ غاربةً نحو البحر، همَّت تلملم ما بقي من نسيج خيوطها الوردية، الملقاة كوشاحٍ شاحبٍ فوق جسد الماء البارد. ثم خلَّفت وراءها أشباحاً سوداً، راحت تلاطم الأمواج الهائجة، لتُلقيها جثثاً ممدَّدة على رمال الشواطئ.
ففي تلك الوهلة الرهيبة، المترنِّحة بين تململ الضوء وولوج الظلام، تلفَّتَ بي شغفٌ لأرى ماضي الأمس. فأفتِّش في الذكريات الغابرة عن قبسٍ أو عن ظلمة، عن فرحٍ أو عن كآبة. فرحتُ أُحدِّق في ما خبا وما اختفى، فكلُّ ما كان قد توارى عني، مثلما تتوارى الشمس وتغيب، بعد أن تُدلي من نول أشعَّتها خيوطاً ضئيلة، تحيك بها صفحة الماء، فتزخرفها بصور الماضي الآفل.
أتأمّل الأمواج التي تعلو لتداعب زرقة السماء، ثم ترتدّ فتهبط غاضبةً نحو الشاطئ، فتتقهقر وتندثر، منكفئةً نحو الأعماق المتجلِّدة.
تغرب الشمس، آخذةً معها الأحلام والآمال، ماضيةً غير آسفةٍ لزوال الضوء والنور. فالربيع الذي تزيَّن بالأمل والفرح، والفراش الذي طار فوق الورود والزهور، وتغاريد البلابل والعنادل، كلّها تلحَّفت ثوب الأمس، ورحلت برحيل الشمس، واختبأت وراء الأكمام والجدران.
✦ ✦ ✦
الليل يندرج في قريتي الناعسة، فيُغطّيها بوشاحه الأسود القاتم، ثم يبتلع البيوت كوحشٍ جائع، فيعمّ الرعب والهلع. أمّا الأشجار، فواجمةٌ تصارع الريح الثائرة؛ مرّةً منتصرة، ومرّةً أخرى خاسرةً متكسِّرة. وأمّا عينا السماء الزرقاوان، فهما ترمقان الحياة بحزنٍ وألم، ثم تغفوان في نومٍ عميق.
وأنا الذي كنتُ أُشاهد كلّ هذه المشاهد، كنتُ أسأل عن ذلك الماضي الذي انحدر متنائياً، وقد غار عميقاً في الظلام، وأسقط كلَّ ما في يده في العدم المفقود. كان مثل كرةٍ بيضاء ضخمة، تدحرجت بقوّة في المنحدر، فتحوَّلت من كتلةٍ صلبة إلى فتاتٍ هشّ، ثم ذابت وتلاشت.
كانت باردةً جداً كالجليد، وفي العراء، لا هي بيضاء بالكامل ولا سوداء، بل أشبه بلوحةٍ من الغيوم، معلَّقة في فضاءٍ فارغ، تُحرِّكها الريح وتُصفِّر بها مجلجلةً هنيهة، وهنيهةً أخرى هازئةً منها، ومرّةً ضاحكةً مستخفّةً بها.
أمّا الظلام، فيُسدل ستائره الداكنة، ويُغطّي بجسده الدامس القممَ والآكام، فيخطو كقطيعٍ غاضبٍ ثائر، يزرع الحلكة والدجى بردائه الواسع الفضفاض. يحجب كلَّ شيءٍ يَرِد في طريقه، حتى الأشجار المتعالية الشامخة، والسهول الراضخة المستلقية بين تلةٍ وهضبة. غير أنّ أصحاب الليل لا يأبهون له؛ كالبوم والغربان، التي تُحدِّق بعيونها الصفراء إلى الأشياء المحتجبة، فترى ما لا نراه نحن بعيونها الثاقبة.
✦ ✦ ✦
كنتُ أرمق ذلك الماضي، فأُفحِّص صفحاته وكلماته، ثم أُحرِّكه برمّته لأُعيده إلى الوجود، لينبض أمامي. ألمسه تارة، وطوراً أُلاعبه، ثم أبعثره على فرش الفصول. فأرى في ربيعه الأزهار القشيبة، وفي صيفه الهدوء والسكون، وفي خريفه ذبوله وكآبته، أمّا في شتائه فأرى المطر والثلج والعواصف. فأدجُّ في حدائقه، وأقبع تحت ظلّه.
لكنّ الماضي مضى بكُلّيته، مهرولاً، حاملاً معه كلّ الأشياء، الخفيفة منها والثقيلة، ثم نوى واضمحلّ، وغار في كهوف لا نفقه لها مكاناً، ولا ندرك ما تُخفيه أبداً من أسرار.
أمّا ظلاله، فما زالت تنسلّ وتتوسَّد الأمكنة، لكنّها لا تُلمَس ولا تتجسَّد. هي خيالاتُ أشباحٍ تهبّ كالعواصف حين تشتدّ وتُصفِّر، فتهزّ الغصون اللينة، وتُسقط الأوراق اليائسة. هي رياحٌ تُوقظ الهاجع من غفوته، فيهَرَع كالمجنون لاحقاً ظلَّه المحتجب خلف ستائر الدجى.
وفي النهار، تجعله سائراً معها نحو غروب الشمس، متخلّياً عن أيّامه التي تذرو وراءه، فتغدو كشبحٍ له أصابع طويلة تحاول الإمساك به فلا تقتدر. يبتغي العودة إليها، لكنّ الريح قويّة جداً، تحمل الأجساد بعزمٍ وقوّة، وتقلّها إلى ما وراء الغروب. هي رياحٌ صافرةٌ هائجة، وعلى الكلّ أن يعتلي قطارها ويغادر معها في رحلةٍ غامضة؛ لا عليه أن يسأل أو يتساءل، بل أن يرضخ ويجري كالغَمام، لا يدرك مصيراً.
✦ ✦ ✦
كنتُ أتأمّل ذلك الماضي، في ألوانه الباهتة حيناً، والقويّة حيناً آخر. أتغلغل في تفاصيله، من الشقوق الصغيرة الضيّقة جداً، فأسمع مرّةً عويله، ومرّةً أخرى أُنصت إلى أنغامه وموسيقاه.
مرّةً أراه شبحاً يمتطي تلةً ويهوي في عمق، ثم يستوي في السهل، ومرّةً أجثو في أحضانه أُلاعبه، كما الطفل يعبث بالأشياء فرحاً ومغتبطاً، دون أن يعي ما يفعل أو ما يريد.
وهكذا أبقى أفتّش في صفحاته وكتبه، وأبحث في طلله عن بعض أثر، وعن بعض حكاية، عن قصّة، عن حقيقة، كي أُمسكها بيدي وأجعلها تنبض بالحياة، فتتنفّس وتمشي بجانبي، لا مثل ظلّي بل مثلي أنا. فتضحك لي كما أضحك لها، وتشاركني الحياة بجسدٍ، لا بظلّها الرمادي الذي يسود ثم يأفل، كما الشمس الهاجرة.
فالماضي لن يتجسَّد، ولن يستنير بأيّ نورٍ أو ضوء. هو يطلّ من خلف الغمام شبحاً، ثم يختفي سراباً، فيتلاشى ويغيب، ويتوارى هالكاً، بعدما كان حياً يجري تحت أشعّة الشمس المشعشعة بالأنوار والأضواء.
✦ ✦ ✦
في تلك البرهة، التي كنتُ أحسبها جيلاً بأكمله، نزعتُ مني أفكاري، ورميتُ كلَّ ماضي الصور وأشباحه في بحر الظلمات، ثم أكملتُ الطريق.
وفي ذلك الليل العميق، وفي الدُّجنة القائمة، كنتُ أنا من ورق، أسكن في صفحات الذكرى… وهم يبحثون عني، ولكني كنتُ أبداً: لا شيء.



أضف تعليق