قراءة نجيب محفوظ ككاتب يبحث عن الحِرفة والإنسان

محمد البلوشي

سأحكي لك كيف فشلت مع نجيب محفوظ ثلاث مرات قبل أن أقع في حبه.

المرة الأولى كانت في الجامعة، أستاذ الأدب نصحنا بقراءة الثلاثية، فبدأت بـ”بين القصرين” كما يفعل الجميع، توقفت في الصفحة الخمسين، كان السرد بطيئاً، والشخصيات كثيرة، وأنا شاب متعجّل يريد أن “يُنهي” الكتاب لا أن أعيشه، أغلقت الكتاب وقلت لنفسي: محفوظ ليس لي.

المرة الثانية بعد سنوات، قرأت أنّ “أولاد حارتنا” رواية ممنوعة ومثيرة للجدل، فظننت أنّ الممنوع سيكون مشوّقاً، لم أفهم شيئاً، الرموز طارت فوق رأسي، والحكاية بدت غريبة، والنهاية تركتني في حيرة، أغلقت الكتاب وقلت: ربما محفوظ للنخبة فقط.

المرة الثالثة كانت المفتاح، وقع في يدي بالصدفة في مكتبة تبيع كتباً مستعملة، غلاف باهت، صفحات صفراء، عنوان قصير: “اللص والكلاب”، قرأته في ليلتين، لم أستطع التوقف، شيء ما في سعيد مهران -غضبه، وحدته، إحساسه بالخيانة- لمس شيئاً ما في بداخلي، أنهيت الرواية ووقفت مذهولاً: هذا هو محفوظ الذي سمعت عنه؟

محفوظ كاتب كبير، خمسون سنة من الكتابة، أكثر من ثلاثين رواية، عشرات القصص القصيرة، مسرحيات، سيناريوهات، أسلوبه تطور وتغيّر، من الواقعية الدقيقة إلى التجريب الجريء إلى التأمل الفلسفي، الكاتب الذي كتب “خان الخليلي” في الأربعينيات ليس نفسه الذي كتب “أصداء السيرة الذاتية” في التسعينيات.

المشكلة أنّ معظم الناس يبدأون من المكان الخطأ، يبدأون بالثلاثية لأنها الأشهر، فيغرقون في ألف وخمسمئة صفحة قبل أن يعرفوا إن كانوا يحبون محفوظ أصلاً، أو يبدأون بـ”أولاد حارتنا” لأنها الأكثر إثارة للجدل، فيصطدمون بطبقات رمزية تحتاج معرفة مسبقة، أو يبدأون بآخر أعماله لأنها الأحدث، فيجدون كاتباً شيخاً يتأمل الموت والزوال، وهذا ليس أفضل مدخل لقارئ جديد.

ما سأقترحه عليك مختلف، ليس قائمة “أفضل كتب محفوظ”، بل خارطة طريق مبنية على تجربتي الشخصية، الفشل والنجاح، الملل والانبهار، كل شيء.

نصيحتي الأولى قد تبدو غريبة: لا تبدأ بأشهر أعماله، الأعمال الأشهر ليست بالضرورة الأسهل أو الأنسب للبداية، ابدأ بعمل قصير، مكثف، يجذبك من الصفحة الأولى ولا تتركه، ابدأ بعمل يُدخلك عالم محفوظ بسرعة، يجعلك تريد المزيد، اقتراحي: “اللص والكلاب” أو “ميرامار”.

محفوظ ليس كاتباً مصرياً فقط، إنه كاتب إنساني، يتحدث عن أشياء تخصنا جميعاً أينما كنا.

“اللص والكلاب” رواية قصيرة، مئة وخمسون صفحة تقريباً، بطلها سعيد مهران، لص خرج من السجن ليجد أنّ زوجته خانته مع صديقه، وأنّ ابنته لم تعد تعرفه، الرواية تتبعه وهو ينزلق نحو الهاوية، يحاول الانتقام ويفشل، يبحث عن معنى ولا يجد، الأسلوب سينمائي، سريع، مشحون بالعاطفة، ستنهيها في يومين وسترغب بالمزيد فوراً.

“ميرامار” خيار آخر ممتاز، رواية تدور في بنسيون بالإسكندرية، يحكيها أربعة رواة مختلفين عن الفتاة نفسها، زهرة الخادمة الريفية التي تتعلم الحياة في المدينة، كل راوٍ يرى زهرة بشكل مختلف، وأنت تتساءل: من يقول الحقيقة؟ الرواية قصيرة وذكية ومبتكرة في بنائها.

كلتا الروايتين تنتميان لمرحلة محفوظ “الوجودية” في الستينيات، حين كان يكتب عن الاغتراب والبحث عن المعنى والصراع مع عالم لا يفهمه الإنسان، هذه المرحلة أسهل دخولاً من الواقعية الكلاسيكية، لأنّ أسئلتها لا تزال أسئلتنا.

حين تنتهي من روايتك الأولى وترغب بقراءة المزيد، يكون قد حان وقت الانتقال للمرحلة التالية: الواقعية المحفوظية الكلاسيكية، لكن لا تقفز للثلاثية مباشرة، جرّب أولاً “زقاق المدق” أو “خان الخليلي”.

“زقاق المدق” تحفة صغيرة، رواية عن حارة قاهرية في الأربعينيات، بشخصياتها الغريبة المحببة: حميدة الفتاة الجميلة التي تحلم بالثراء، عباس الحلو العاشق الساذج، المعلم كرشة صاحب القهوة، وعشرات غيرهم، الرواية دافئة ومؤلمة، مضحكة وحزينة، تجعلك تشعر وكأنك عشت في ذلك الزقاق.

“خان الخليلي” رواية عن مثقف مُحبط، أحمد عاكف الذي يعيش مع أسرته في حي قديم أثناء الحرب العالمية الثانية، الرواية أبطأ إيقاعاً، أكثر تأملاً، لكنها تحتوي على واحدة من أجمل قصص الحب الفاشل في الأدب العربي.

هاتان الروايتان ستعلمانك شيئاً مهماً: كيف يبني محفوظ عوالمه، كيف يجعل الحارة شخصية مستقلة، كيف يتنقل بين العشرات من الشخصيات دون أن يضيع، كيف يمزج الكوميدي بالتراجيدي في جملة واحدة.

بعد ثلاث أو أربع روايات، صرت تعرف محفوظ، إيقاعه، كيف يفكر، تعرف أنّ البطء في البداية يعني انفجاراً في النهاية، الآن – وفقط الآن – أنت جاهز للثلاثية.

“بين القصرين”، “قصر الشوق”، “السكرية”، ألف وخمسمئة صفحة تتتبع عائلة عبد الجواد عبر ثلاثة أجيال، من نهاية الحرب العالمية الأولى إلى ما بعد الثانية، ثلاثون سنة من التاريخ المصري، مرويّة من خلال أب متسلط وأبناء يتمردون وأحفاد يبحثون عن هويتهم.

الثلاثية ليست سهلة، أعترف بذلك، الجزء الأول بطيء، يؤسس لعالم معقد، لكن إن صبرت، ستجد نفسك في الجزء الثاني والثالث غير قادر على التوقف، ستبكي على شخصيات لم تكن تعرفها قبل أسابيع، ستفكر في السيد أحمد عبد الجواد وكمال وياسين كأنهم أقاربك، وستفهم أيضاً لماذا فاز محفوظ بنوبل، الثلاثية ليست رواية عائلية، هي ملحمة عن الزمن نفسه، كيف يمر ويغيّرنا، كيف نحاول التمسك بالماضي بينما المستقبل يجرفنا.


اقرأ أيضاً
كيف ينبغي للمرء أن يقرأ كتاباً؟
12 فكرة قراءة لعام 2026
القراءة حياةٌ للعقل وعبادةٌ للفكر
لغتنا العربية الجميلة
القصة التي لا تنتهي: ما معنى أن تكون كاتباً؟


حين تنهي الثلاثية، ستكون قارئاً مختلفاً، ستكون جاهزاً لمحفوظ المتأخر، محفوظ التجريبي، محفوظ الذي تخلى عن الحكاية التقليدية وبدأ يلعب، هنا اقرأ “الحرافيش”، ملحمة عائلة على مدى عشرة أجيال، كل فصل يحكي قصة جد أو حفيد، والحارة تتغير وتبقى، والأسئلة نفسها تعود: ما معنى القوة؟ ما معنى العدل؟ هل يمكن للإنسان أن يكون فتوة وصالحاً في الوقت نفسه؟

أو اقرأ “رحلة ابن فطومة”، رواية تشبه كتب الرحلات القديمة، عن شاب يسافر عبر بلدان خيالية، كل بلد يمثل نظاماً سياسياً أو فلسفياً مختلفاً، رواية فلسفية مموّهة بثوب المغامرة.

أو اقرأ “ليالي ألف ليلة”، إعادة كتابة لألف ليلة وليلة، يكمل محفوظ القصة بعد الليلة الأخيرة، ماذا حدث لشهريار وشهرزاد؟ ماذا حدث لمعروف الإسكافي وعلي بابا والسندباد؟ محفوظ يأخذ هذه الشخصيات الأسطورية ويمنحها حياة جديدة، أغرب وأعمق من الأصل.

وشيء غريب سيحدث بعد سنوات من قراءة محفوظ: سترغب لأن تعيد قراءة ما قرأته، ستعود لـ”اللص والكلاب” وتكتشف طبقات لم ترَها أول مرة، ستعود للثلاثية وترى شخصيات بعيون جديدة، ستتعاطف مع السيد أحمد عبد الجواد بدل أن تحكم عليه، ستفهم أمينة بشكل أعمق، ستدرك أنّ كمال هو محفوظ نفسه بطريقة ما.

وربما ستكون جاهزاً أخيراً لـ”أولاد حارتنا”، الرواية التي فشلتَ معها في البداية ستصبح واضحة الآن، الرموز ستكون مقروءة، الطبقات ستنكشف، والسؤال الكبير عن الإيمان والعلم والإنسان سيجذبك بقوة.

المشكلة أنّ معظم الناس يبدأون من المكان الخطأ، يبدأون بالثلاثية لأنها الأشهر، فيغرقون في ألف وخمسمئة صفحة قبل أن يعرفوا إن كانوا يحبون محفوظ أصلاً.

وبالرغم من كل ذلك، سأكون صادقاً معك، قراءة محفوظ كاملاً تحتاج سنوات، ستجد في محفوظ مصر كاملة، ليس مصر السياحة والأهرامات، بل مصر الحارات والمقاهي، الأحلام الصغيرة والخيبات الكبيرة، الناس العاديين الذين يعيشون ويحبون ويموتون دون أن يلاحظهم التاريخ.

ستجد أيضاً شيئاً أعمق: أسئلة عن الإنسان نفسه، عن الإيمان والشك، عن الحرية والقدر، عن الحب والوحدة، عن المعنى في عالم قد يكون بلا معنى، محفوظ ليس كاتباً مصرياً فقط، إنه كاتب إنساني، يتحدث عن أشياء تخصنا جميعاً أينما كنا.

ابدأ من “اللص والكلاب”، أو من “ميرامار”، أو من أي كتاب صغير يقع في يدك، المهم أن تبدأ، وأن تمنح نفسك الوقت لقراءة محفوظ.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.