هبة حمدي*

كان يطوف في الشوارع، شابٌ بهندام رصين، وشعرٍ مرتب نسبياً، يسأل المارة في هدوء وثبات عن حضن!

بأدب يقول: ممكن تحضني مدة دقيقة؟!

ليس شارعاً واحداً ولا حياً واحداً أو حتى مدينةٌ وحيدة، أخذ يطوف المدن ويسأل في هدوء ورجاء: ممكن تجرب تحضني مدة دقيقة!

سأل الجدات والصغار، الرجال والنساء وصولاً إلى الأطفال طالباً منهم ضمةً واحدة!

وقال الناس: مجنونٌ غالباً، يستجدي شيئاً غريباً، ليس شحاذاً، ربما سارقٌ يريد أن يستل أموال الناس، لكنه كان ثمة فئات من الناس قدّم له حضناً تماماً كما طلب وكان مسالماً تماماً معهم!

تناقل البشر الخبر، أمِنوا جانبه، قالوا إنه مسالم لا ينتوي الإيذاء، وقال بعضهم وحيد ربما يبحث عن أمان!

وحده كان يعرف ما يُفتش عنه!

وأجزم أنه قطعاً لابد واجده، فمحال أن يكون الرب لم يخلق إلا حضناً وحيداً إذا غاب انعدمت الحياة من الأحضان!

وعلى مئات الأحضان التي جربها لم يجد مراده!

تقصى بعض الناس أثره فضولاً ليعرفوا حكايته، وكانت له زوجةٌ لها ضمة تُبقي المرء قيد الحياة، لكنها رحلت فانعدمت الضمة وانقطعت الحياة!

وقال في نفسه مهوّناً سأعثر حتماً بين ذراعي إنسان على ما لمسته بين ذراعي امرأتي، وبحث عبر الإنترنت عن مواصفات الحضن الجيد، وسأل الناس أن يقدموا أقصى ما يستطيعونه في تلك الدقيقة، وعاد إثر كل ضمة خالي الوفاض!

وعاد يتحسس ذراعيه ويذكر ضمتها ومشاعره أثناءها وبعدها، لكنها لم تكن قريبةً بحال!

وخربش على لوحةٍ كبيرةً هذيانه، وصوته القاسم ورغبته المُلحة في أن يحظى فقط بضمةٍ وحيدة أو أخيرة ترمم هوالكه وتجمع شتاته!

وطافت أفكارٌ شتى في عقله، هل وجدت حبيبته ما وجده هو في ضمتها، أكان دافئاً كما هي، مُسكّناً ماحياً للمواجع كما كانت هي!

ودارت الفكرة في خلده، لم لا يُبدل طلبه، فيكون هو الذي يقدم الحضن ويسأل المتلقي عن شعوره، وقال لابد أن أختبر قدرتي وأن أطوّرها إن تطلّب الأمر!

فصار يقول: ممكن أحضنك وتقولي إحساسك، تقولي رأيك؟

وتباين الناس في آرائهم، حلو، دافي، كويس بس مش زي حضن أخويا، بحب الأحضان الطويلة…

وسألها في الحلم أن تُعلمه كيف كانت تضمه، وأن تَهديه في غيابها كما كانت تهديه في حضورها!

وسألها كيف ترجح كفة ضمة واحدة على كل الأحضان الأخرى من كافة البشر!

لكنها في المرة الأخيرة مدّت كفها ثم فتحتها، وابتسمت ثم اختفت!

وظل يطوف الشوارع يقدم الحضن!

والغريب أن صار بعضهم يعود له طالباً ضمةً ثانية ولو بمقابل!

*أخصائية العلاج الطبيعي، كاتبة شغوفة، قارئة، مهتمة بالأدب والعلوم.
أرى أنّ الأدب هو الطريقة المُثلى التي ابتكرها البشر للتعاطي مع مصائبهم دون أن يفقدوا روحهم.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.