محمود عاطف الخرشه
وقفتُ بها بعد أربعين حِجّة، بعد انقطاعٍ قسريٍّ لم تَهْوَهُ النفسُ ولم ترغب فيه بقدر شوقي لأحضانها الدافئة. وقفتُ، ويا لهول ما احتوته عيناي من مشاهد ومحتويات في تلك اللحظة! كانت عيناي تسرح وتتجول بصمت، وكأنها عابدٌ يدلف بخطى مرتعشة إلى معبده، يخجل من وطأة قدمه على ثرى الدرب الذي يحمله إلى الداخل، يخاف أن يوقظ سكون مقتنياته ومنعطفاته وحنايا زواياه ومفترشه.
كان بصري يتطوّف بحياء ومهابة أمام عظمة تلك المشاهدات. بدأ لحظتها إحساسٌ يتسرّب إلى كهوف ذكرياتٍ مدفونة في عالمي الباطني، يتلمّسها بخفّة، يمسح على جبين كلٍّ منها بحنوٍّ ليوقظها من سباتٍ عميق، حادياً بها إلى بقايا ذكرياتٍ متحجّرة، لا يزال شحيحٌ من روح الحياة ينبض فيها. بدأت أطياف الماضي تتشكّل في صورٍ هلامية ضبابية، على مسافات بعيدة عن حدود الإدراك بعد أن أفاقت بتلمّسه لها، لكنها كانت تحتاج إلى المزيد من قوّةٍ خفيّةٍ تستجليها وتلملم أشتاتها لتكون أكثر جلاءً واتضاحاً.
الغريب أنّ كلّ شيءٍ في مكانه لم يتحرّك أو ينتقل؛ كلّ شيءٍ بقي شاهداً على الثبات والصمود، فما اعتراها سوى أنها غدت باهتة الألوان، غامضة في سكونها؛ شوّهت الأيام بريقها، وأثقلت الحادثات قلبها. الصخور ذات الصخور بألوانها وأشكالها، الأودية ذاتها، المفترقات لم تتغيّر، شموخ جبالها لا يزال على العهد، وسهولها لا تزال مضطجعة، ومنحدراتها منتصبة كما هي صورتها في ذاكرتي، رغم ما يتراءى للمتبصّر من ملامح الإنهاك والإعياء التي تعاظمت وتراكمت. أمّا كهوفها وانحدارات أطرافها ومنحنيات تلاقيها، فقد تصلّبت شرايينها وتجمّدت عروقها لتبدو مومياء عركتها الحياة، فلم تتهالك ولم تتحوّل إلى حطام.
كانت، بكل مضامينها وملامح خريطتها، ترغب أن تهشّ للحظة حضوري، أن تتحدّث إليّ، وتبثّني أشواقها وشيئاً من أسرارها الدفينة. لكن ربما للفارق البعيد بيننا، الذي تجاوز الزمن من متغيّراتٍ جوهريةٍ اكتنفتني، كان للزمن أثرٌ أحدثه في ملكوتي، جعل مني آخر قياساً إلى حالة الثبات التي تتّسم بها. أحسستُ أنها تعاتبني عتاباً صامتاً، ترسل رسائل لومها عبر حالة السكون الأزلية.
كنت أتمتم بحشرجاتٍ متقطّعة لكسر تلك الحالة، لم أجد الكلمات التي تحمل ما بي من جوىً وعذاب، لكنني لملمت بقاياي ورميت بها وجه المكان، لأكفّر بها عن نفسٍ إنسانيةٍ لوّثتها دنيا البشر.
٢٠٢٦/٢/٢٠


أضف تعليق