شيرين فكري عثمان*
رمضان… حين يُرتِّبُ القلبَ فيُحيي الروح.
ها هي تفوح روائح شهر الخير والبركة في كل مكان؛ شهر الرحمة والإحسان. رمضان… رحلة روحانية ابتغاء مرضاة وجه الله تعالى، شهرٌ أوله مغفرة، وأوسطه رحمة، وآخره عتقٌ من النار. هو شهر الخلوة مع النفس، وتجديد النية، واستقبال النفحات والبركات.
لا أعلم لماذا يستكين قلبي حين يُقبل هذا الشهر العظيم؟ شهري المفضل، الذي أشعر معه دوماً أنه أصبح ملاذاً لروحي التائهة، العالقة في ظلمات الطريق؛ ملجئي الذي يحميني من الوقوع في براثن الشيطان في هذا الزمن العبثي. شهرٌ أنتظره بشوق ولهفة المحب كل عام، ليُطهِّر قلبي من كل ذنب يُشعرني بثقل حمله على كاهلي، وينقّي روحي مما علق بها من آثام، ويوقظ فيّ (ولو لحظة) إحساس البُعد والتقصير تجاه خالقي، ليحيا معه – في النهاية – قلبي وروحي من جديد.
إنني حقاً من الأشخاص الذين يهدأ عقلهم المتعب معه؛ ذاك العقل الذي يضيق دوماً من كثرة التفكير في أمور الحياة، حين أتذوق عذوبة صيام أيامه، مع سِحر وسكينة قيام لياليه. أستشعر معه، يوماً بعد يوم، أنه يجمع أشلائي التي تناثرت طوال العام، وأنّ دماً جديداً ينعش أوردتي التي ترهلت عبر الأشهر السابقة له. شهرٌ أنزل الله فيه مغفرته في أوله، ورحمته في وسطه، وعتقه من النار في العشر الأواخر منه؛ وكأنّ الله جعله ليحيط بخطاياي، يجمعها ويقذف بها بعيداً عند استجابة دعائي، عندما يخشع قلبي قبل جسدي في حضرته، وأنا أستجير به ساجدةً بكل جوارحي دون أدنى مقاومة. حقاً، من القلب يمكنك لمس السماء؛ فإنه أقرب إلينا من حبل الوريد.
دائماً ما يتملّكني مع هذا الضيف العزيز إحساسٌ غريب، يستحضر بداخلي عشقاً يلهب مشاعري، تلك التي تضج بالحب الإلهي، حين يأخذ روحي إلى عالمٍ جميل بروحانيته؛ أطوف وأُحلّق عالياً مع بداية أيامه حتى آخر لياليه. أشعر به كأنه يعصرني ليُخرج ما في جعبتي من أفكار لوّثت عقلي، ليُعيدني مع نهاية ساعاته كصفحةٍ بيضاء لم تعركها أيادي الزمن. في كل عام أستكشف معه جواهر الأشياء الجميلة الكامنة بداخلي؛ جواهر خفيّة مررتُ بجانبها دون أن ألاحظها، لأخرج منه بشخصية جديدة، كأني وُلدت من جديد.
شهرٌ يزيد من لذة عشقي لقربي من خالقي، وأنا أرتل كلماته، وأرطّب لساني بذكره، وأنا خاشعة في صلاتي. فعند بدء صلاتي، وسجودي طويلاً، وأنا أهمس بدعائي بين يديه، ومع نزول بحرٍ من القطرات من مقلتي، أشعر بأنه يسمعني، ويُطفئ لهيب قلبي المكلوم، ويُصلح ما ضرّ روحي المرهقة؛ كأنه يحتويني ويفهم كيف يسبر أغواري دون أن أنبس بكلمة.
أستشعر أنه يحدثني، ويحسّ بما في حنايا صدري، يربّت على قلبي ويُجبر خاطري المنهك، وهو يقول: “لا تبكي، أنا بجانبك، فلا تخشي أحداً. سأستجيب لكِ، ولو بعد حين، فقط انتظري… فكلُّ شيء بميعاد”. شهرٌ يجعلني أتيقن أنّ خالقي يحبني ويرضى عني في كل موقف؛ لا لأنه يستجيب لدعائي فحسب، بل لأنه يُبعد عني كل شيء اكتشفت لاحقاً أنه شرٌّ كان يتربص بي، وكنتُ أحسبه – بجهلي – خيراً لي. وكما قال فضيلة الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي: “لعلّ الله حرمك مما تريد ليُعطيك ما تحتاج”.
فهل هناك في السماوات والأرض شيء أقرب إليّ من ربي، الذي خلقني وصوّرني، وجعل لي السمع والبصر والفؤاد، ونفخ فيّ من روحه؟ إنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وهل هناك من يسمع نبضات قلبي، ويعلم السرَّ وأخفى، كما يعلمها علام الغيوب اللطيف الخبير؟
فما أجمل أن أتضرع إلى ربّ الحياة بدعواتٍ لا تفارق لساني وصلاتي؛ فالتعلّق بالله هو الرجاء الذي لا ينقطع، والأمل الذي لا يخيب، والطمأنينة التي تؤنس القلب.
“يا إلهي ردّني إليك رداً جميلاً، واغمرني بكرمك وسخاء عطائك، واسقني رضاك، واملأ قلبي بعفوك ومغفرتك، وامحُ كل ذنبٍ اقترفته فأبعدني عنك. يا إلهي قلبي بين يديك؛ فاكسُه سكينةً وسلاماً لا أضيق بعده أبداً. يا إلهي إني أسألك نفساً مطمئنة ترضى بقضائك، وتقنع بعطائك، وارزقني معها قلباً متفائلاً، مطمئناً، موقناً بفرجك القريب، يا حنّان يا منّان يا رحيم”.
“تَهَادُوا الحُبَّ غَيْباً بِالدُّعَاءِ”. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من عبدٍ مسلمٍ يدعو لأخيه بظهر الغيب، إلا قال الملك: ولك بمثل”. فتَهَادَوا بالدعوات في تلك الأيام، وفي جوف الليالي المباركة؛ فلعلّ خيراً رجوته لغيرك، منحك الله بركته.
*كاتبة ومُعِدّة برامج في إذاعة البرنامج الثقافي بالإذاعة المصرية… مصر
لقد سبق وقد تم نشر قصتي “لغة الخيول” في مجموعة قصصية باسم “خيالات الظل” في معرض القاهرة لدولي للكتاب 2019، والتي كانت ضمن القصص الفائزة في المسابقة الإبداعية لدار المعرفة للنشر والتوزيع على مستوى الوطن العربي لعام 2018، وكانت التجربة الأولى لي في عالم النشر والمسابقات.
صدر لي ثلاث أعمال: المجموعة القصصية “لحظة سكون” (2020)، وروايتا “أحلام صهيل الخيول“ (2021)، و“شظايا القدر” (2022) نُشرت لي عدة مقالات في موقع “مترو”، وموقع “ملامحنا”، ومجلة “أيامنا الثقافية”.



أضف تعليق