أحاديث في جماليات خاصّة

إسراء عرفات

1

سألتُ أحد أصدقائي في محاورةٍ لي معه: تخيّل شكلَ الحياة بلا أدب؟ ولم أنتظر إجابته على السؤال؛ ذهب خيالي لحظتها إلى تصوّر عالمٍ غريب، لا شيء فيه سوى طبقاتٍ ضبابيةٍ سوداء تحجب الرؤية، وتجعل الصورة سوداء بالكليّة.

قلتُ في نفسي: إنّ هذه الصورة الخيالية التي تشكّلت في ذهني لحظة السؤال تخدم بشكلٍ طبيعي الإجابة البديهية التي طالما وردت إليه فور نزول السؤال عليه كالصاعقة. يُجيب ذهني ببداهةٍ مطلقة عن السؤال، ويُنبئني ببساطةٍ بشكل الحياة التي تنتظرني لو لم تكن هناك عوالم معيّنة تُدعى عوالم الأدب. يقول لي بصوتٍ مسموع: حياةٌ بلا طعمٍ أو لونٍ أو رائحة.

يجعلني أهيم في تصوّر شكل هذه الحياة وعوالمها، ثم أفكّر في هذه النعمة الحياتية الكبرى المسماة الأدب؛ هذه النعمة التي يُخيفني افتراض عدم وجودها، وتُرعبني فكرة أنواع الانقراضات التي ستشهدها البشرية بدونها؛ كانقراض أنواعٍ من جمالٍ معيّن ما كان له أن يوجد لولاها (شِعر، نثر، رواية…)، وانقراض سلالاتٍ كاملة من الذائقة المتخصّصة في التقاطها وتذوّقها.

أُحدّث نفسي بأنّ الأدب نعمةٌ تُوازي في أهميتها أهمية الماء، وكأنّ الأدب يروي الموجودات الصمّاء من حوله بتفاصيل خاصّة تُعطيها نكهةً وطعماً ولوناً، وتبثّ فيها الحياة.

2

هناك صديقٌ لطيفٌ يُخبرني دائماً بأنّه يلمس في نصوصي التي يقرأها إيقاعاً خفياً. يُحدّثني باستمرار بأنّ أثر ذلك الإيقاع الذي يقرأه في نصوصي يظهر في نفسه كحالةٍ طربيةٍ تُصيبه؛ حيث يشعر، وهو يقرأها، كما لو أنّه يترنّم بحروفها، وكأنّه يُغنّيها ويُنشدها، لا يقرؤها مجرّد قراءة.

لعلّ ما دفعني لاستحضار حديث ذلك الصديق كانت عبارة قرأتها في مكانٍ ما تقول في متنها: “وخيرُ الكلام ما كان لحناً”. فكّرتُ وأنا أقرأ هذه العبارة بحديث ذلك الصديق عن الحالة الطربية التي تتولّد داخله كلّما قرأ نصاً من نصوصي، وقلت: ربّما الخيريّة التي تتولّد من قراءة الكلام الممتلئ بالإيقاع، سواء أكان شِعراً أم نثراً أم سرداً، هي خيريّة تتأتّى من تلك الحالة الطربية التي تتولّد في نفس الإنسان جرّاء قراءته.

حيث إنّ تلك الحالة تجعل نفس الإنسان تهيم فيما تقرأ وتستشعره، كما لو كان واحةً مخصّصةً لأغراض الغرق؛ الغرق في عوالم من كلمات تظهر في بنيتها وتركيبها الإيقاعي كما لو كانت أغنيةً ملحّنة. فالخيريّة في هذا النمط من الكلام الملحّن هي خيريّة قادمة من حقيقة أنّ هذا النوع من الكلام يقرؤه الإنسان كأنّه يتجاوز في قراءته فعل قراءته؛ حيث تكون قراءته له فعلَ تحليقٍ وغرقٍ وطيرانٍ وغياب، أو لنقل تكون قراءته فعلاً يتضمّن كلّ فعلٍ أعلى وأسمى من قراءته.

3

وأنا أتأمّل العبارات التمجيدية التي يكتبها الشعراء والكتّاب في الكتب وعظمتها، يخطر على بالي دائماً أنّها عباراتٌ منمّقةٌ وجميلة، لكنّها لا تفي الكتب حقّها. وقد صادفتُ مرّةً عبارةً واحدة بسيطة جعلتني أفكّر فوراً بأنّها العبارة المنشودة التي تجيء كمن يُعطي الكتب حقّها ويصف عظمتها وجمالياتها، والعبارة تقول في متنها: “آه، الكتب، أعترفُ إنّها اختراعٌ بشريٌّ رائع!”.

أعتقد أنّ جوهر هذه العبارة يكمن في تنهيدتها الأولى؛ في الـ”آه” التي تأتي كاعترافٍ بالتعب اللذيذ الذي يتولّد عن طريق معاينة الكتب. وكأنّ التنهيدة تقول إنّ طريق معاينة الكتاب، التي تبدأ بملامسة الغلاف، مروراً بتمريرة العين على الورقة، وانتهاءً بارتشاف الفكرة التي عليها، هي طريقٌ طويلةٌ من التعب اللذيذ.

أظنّ أنّ هذه الطريق تحديداً هي التي عبّرت عنها أم كلثوم في مقطعها “القلب قد أضناه عشقُ الجمال”، الذي غنّته لتصف طريق معاينة الجمال المليء بالتعب اللذيذ بشكلٍ عام؛ حيث يأتي المدّ في صوتها في لفظة “أضناااه” ليصفه، وليحكي عن التعب اللذيذ الذي يتولّد جرّاء سلوكه.

وهذا المدّ هو ما يُستبطن في التنهيدة التي شكّلت مقدّمة العبارة السابقة، وكأنّ قائلها مغنٍّ من نوعٍ ما، لا يُجيد انتقاء الألفاظ ولا ترتيبها في عباراتٍ منمّقة، لكنّه يُجيد استخدام حنجرته ليصف عشقه للكتب وجمالياتها؛ فتأتي تنهيدته كأنّها تنهيدةٌ ممتدّةٌ يُقرّ فيها بأنّها قد أتعبته بجمالياتها، وأنّها… آه، اختراعٌ بشريٌّ رائع!


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق