علاء أحمد السيد

“صغيراً، عندما أخبرتُ طبيبي أنني مشفقٌ على أعمدة الإنارة من وقوفها الدائم، وعلى قطط الشوارع والكلاب: كيف مرّ عليهم ذلك الليل العاصف الماطر؟ وعلى البنايات الهزيلة.

وأخبرته أنني أفكر كثيراً؛ أفكر في أمر رغيف الخبز الذي سقط من عابرٍ على قارعة طريقٍ عمومي: هل ما زالت تتفاداه السيارات؟ أفكر في تلك العجوز التي انحنى عودها حنيناً لباطن الأرض: كيف حال غربتها على سطحها؟ أفكر في رحلة كيس القمامة الذي تخلّصتُ منه البارحة: أين وصل؟ وما مصير العبوة البلاستيكية الرقيقة التي بداخله: هل أتت لحظة تهشّمها من قدم النبّاش، أم أنها تختبئ تحت كومةٍ عفنة؟ وفي شعور ورقة الشجرة الساقطة على سطح ماء النهر: هل تنعم بحرية المسير، أم أنها تفتقد ليد الشجرة التي طالما حمتها من هجمات الرياح؟

ذكرتُ له أيضاً أنّ لكل الجمادات حركةً بطريقةٍ أعرفها ولم أرها بعيني، وصوتاً أصغي له ولم أسمعه، وأنّ المساكن تتغير بتغير أحوال ساكنيها، وقد رأيت أحدها بالأمس عابساً، متوشحاً بالسواد.

وأنني لا أمرّ على الأشياء، بل إنني نفقٌ تمرّ من خلاله الأشياء، كلٌّ إلى جهته، أو أنني الأرض التي تحمل كل شيء.

أخبرته وأخبرته كل قناعاتي التي لا يقبلها عقل، لكنه لم يُشخّصني بالجنون، فقط أخبرني أنها أعراض إصابةٍ بالكتابة، فأوصاني ألا أستسلم لنوبتها إلا لآذان الورق؛ كي أحافظ على معافاتي من الجنون.”


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق