ولاء عطا الله
يمد بصره متململاً ومضجراً عبر النافذة، فيجد الصحراء ما زالت غاطسة في رمادية كئيبة، عكسها غروب غائم.
يحس بالفراغ الممتد حوله وهو يلتهم فِكره، فلا يقوى على مناوشة وعيه بخلق الفكرة، لكنه راح يفكر برسم عذر لائق في حال فشله، فالمؤتمر سَيُعقَد بعد أسبوع – ظهوره الأول بعد عزلة طويلة – وهو لم يلمس بعد شغاف الفكرة التي سيلضم منها خيوط للوحته المنتظرة، وجعل يتساءل في جدية أربكت موهبته.. من الذي يحضر قبلاً في عملية الخلق الإبداعي، الصورة أم الكلمة؟
وفيما عيناه المرهقتان تتابعان اللاشيء، تنبهتا فجأة حين لاح ضوء أصفر في البعيد، وما زاد المشهد غرابة، أنّ الحافلة قد توقفت، تلفَّت، فرأى مقهى صغيراً على يسراه، مزيناً بأضواء صفراء.
نزل السائق وبعض الركاب، وبقي هو مشدوهاً نحو ذلك الضوء، وحين أحس بصورة ما تنازع ركام روحه على الخروج، نزل، وظل لبرهة مأخوذاً بوهج الضوء، ولما حار بين ما المفترض فعله اتجاهه، طلب شاياً ثم جلس، واضعاً دفتر الرسم بجواره، والضوء أمامه ما زال يراوده عن نفسه.
لكن شربة الشاي واستغراقه في سماع الموسيقى، ثم تلك النسمات التي استباحت بخار شايه وراقصته، كانوا يحيلونه إلى ريشة فنان تحط بخفة بين أوتار الكمان، وكل ما شجي الوتر، واشتدت لوعة العازف وشطحات الرسام، استكانت خلاياه حتى تلاشت نهائياً في الموسيقى.
“آن لإلهامك أن يعمل، أن يُحيي سيرتك الراقصة على حافة النسيان” هكذا داخله عقله، وهو ضائع تماماً بين الضوء والعتمة والموسيقى.
يغلق موسيقاه، مولّياً انتباهه نحو المقهى وعالمه.. ورآه، وظن أنه حصل على بذرة فكرته أخيراً، لكنه تساءل متفكراً.. ما المدهش في هيئة بنّاء بسيط الملبس، ذو يدين خشنتين ومرتعشتين، يشرب شايه وهو يتمايل طرباً على أنغام “عِش أنت”* – التي بالتأكيد لا يفهم كلماتها – المنبعثة من مسجل المقهى؟
تتلاقى نظراتهما، وعلى الفور رفع له البنّاء كوب شايه وحيّاه مبتسماً، فبادله ذات التحية، وعيناه تجول مرتبكة بين الرجل وعدة أدواته، وبين مصابيح المقهى.
وإذا بسائق الحافلة يخترق بقعتهما، آخذاً مجلسه إلى طاولة البنّاء، فحال بجسده الضخم بينهما، وسمعه يقول له:
– لقد أخرّوني لساعات بسبب عطل سخيف، مع أنهم يعرفون أنني لا أقود في الليل.
– ولماذا لم تلغوا الرحلة؟
– الكل اعترض، ورضوا بالانتظار، إنه قرف!
– اليوم اكتشفت خطأ من مهندس البناء، ولمّا أخبرته قال إنها صيحة جديدة لن أفهمها، فلا عليك، القرف في كل مكان.
ينهض سائق الحافلة، معلناً انتهاء مدة الاستراحة، فاعترته رعشة مفاجئة هزت جمود نفسه، وقلّبته بين شطآن الحيرة، جعلته يتساءل متردداً.. ماذا بك؟ أحقاً خائف من موت محتمل، أم من ضياع بذرتك وركون اسمك في الظِل؟
– يا أستاذ.. ألم تسمع؟ لقد انتهت مدة الاستراحة.
ينهض بثبات مصطنع، ثم قال للسائق بلهجة متعالية وواثقة:
– أكملوا طريقكم بدوني، وليت أن تقود على مهلك!
هز السائق منكبيه مدهوشاً، ثم ضرب كفاً بكف وغادر إلى حافلته، بينما هو عاد إلى مجلسه، ولمّا رفع نظره بغتة نحو البنّاء، وجده ينظر إليه وعلى ملامحه شبح ابتسامة، فضايقه هذا، ثم وجد نفسه يمضي نحوه، وسأله وهو يشير نحو الضوء البعيد:
– هل تعرف مصدر ذلك الضوء؟
– في الغالب هو لكوخٍ بعيد، ولكن ما المميز فيه؟
– لا شيء، أردت أن أعرف وحسب.
ينظر له البنّاء طويلاً ثم إلى دفتره، وقال:
– لا تدقق النظر في البعيد، لئلّا يسحبك نحو مكانٍ لا رجعة منه.
غمغم، وقبل أن يستوعب كلام البنّاء، رآه يحمل عدة أدواته ويمضي شاقاً طريقه صوب الضوء، فدُهش، وكاد من فوره أن يلحق به… لكنه لما فطن لشلله المميت، كان هو قد تلاشى كلياً وسط الظلام.
تنهد طويلاً، لكن زفيره خرج متحشرجاً وواهناً، وأحس لوهلة أنه سيبكي كما طفلٍ صغيرٍ تركاه أبويه متعمدين وسط الطريق.
يشيح بوجهه عن ذلك الضوء، فتلقفته أضواء المقهى، وهام فيها طويلاً بحثاً عن بذرة جديدة، لكنها لم تمنحه جديداً، وصارت تعرض مشاهد حياته مشهداً مشهداً..
تهبُ نسمات طرية، فابتهج، وانتظر تمايل المصابيح – في تشوّق طفولي – وهي تحمل أكثر مشاهد حياته عنفوانيه، لكنها ارتعشت على استحياء ومن ثم سكنت.
تصدح أم كلثوم من مسجل المقهى “سوف تلهو بنا الحياة.. وتسخر”** يهز رأسه وجسده متلذذاً ومتألماً بخدر خفيف احتل كيانه، عدا عينيه اللتان عادتا لضلالهما القديم ترنوان نحو الضوء البعيد.. وحانت منه التفاتة، فرأى شاباً يتفرج عليه بمتعة خفية، فابتسم له ثم ابتسم لنفسه، ومضى يكتب بسعادة داخل دفتره “هي مجرد أضواء صفراء، لكنها استطاعت خرق العتمة، والموسيقى، والبشر وكل الأشياء”.
*أغنية لفريد الأطرش، كلمات بشارة الخوري “الأخطل الصغير” وألحان فريد الأطرش.
**أغنية “هذه ليلتي” كلمات جورج جرداق، وألحان محمد عبد الوهاب.



أضف تعليق