أبحث عن أبي في وجوه الغرباء

حِسان محمد

كنتُ في طريقي إلى الجامعة حين لمحتُ عند باب المدرسة أباً ممسكاً بيد ابنته الصغيرة، يحمل حقيبتها بيده الأخرى ويمازحها.
فارتجف قلبي وتمنيتُ لو أعود طفلةً لأعيش هذا الشعور ولو لمرة.

دخلتُ المطعم على عجل، فوجدتُ أباً يجلس يقابل ابنته، يحتضنها ويطعمها بيديه.
فخنقتني العَبرة وتمنيتُ لو كنتُ أنا تلك الطفلة.

وفي السوق وقفتُ أتأمل الألعاب، فسمعتُ أباً يقول لابنته: “اختاري ما تشائين يا صغيرتي”
فابتسمتُ ابتسامةً حزينة، وتمنيتُ لو كنتُ مكانها، ممسكةً بيد أبي.

وحين مررتُ بالمنتزه، رأيته يرجّح ابنته عالياً وهي تضحك حتى بكت عيناي.
حاولتُ أن أتذكر ولو مرةً واحدة خرجتُ لألعب مع أبي، فلم أجد في ذاكرتي إلا فراغاً موحشاً.

أحياناً مشهدٌ عابر يفتح لك مواجع لم تحسب لها حساباً.

أخذت الغربة أبي، وأخذت معه الأيام الحلوة.
فكبرتُ وأنا أحمل مسؤوليات لا تليق ببنتٍ في سني، حتى صرتُ أباً لنفسي ولمن حولي.
وفكرة أن أكون الابنة بمقام الرجل… فكرةٌ موجعةٌ جداً.

أشعر أنني لا أزال تلك الطفلة التي تحتاج أباها، رغم أنني كبرتُ وصرتُ أماً.
وشعوري أنني وُلدتُ وكبرتُ وتزوجتُ ولم أعرف عن أبي إلا شهوراً معدودة، شعور يحزنني، يبكيني، ويكسرني.

ويا للقدر! فبعد كل هذا الفقد، صارت ابنتي يتيمةَ أبٍ حيّ، مغتربٍ لا يطول به المقام.
وتستمر الحكاية…

ما ذنب أطفالٍ يأتون إلى الدنيا ويكبرون دون وجود سندٍ يشد أزرهم، ولا كتفٍ يتكئون عليه حين تميل بهم الحياة.
لا يجدون من يمسح دمعهم، ولا من يصنع الفرح لهم، ما ذنبهم حتى يصارعوا قسوة الحياة منذ نعومة أظافرهم؟
وأي جرم أن يكابدوا أعباء الحياة بمفردهم…
لا طفولتهم ولا ضحكاتهم ولا ذكرياتهم فيها حنان الأب!

لا سامح الله من كان سبباً في تفريق الأهل وتشتيت الشمل.
ولا سامح الله من أوصل الناس إلى هذا الحال.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق