اسراء ياسين البوز
تتجاوز رواية “ثلاثية غرناطة” لرضوى عاشور فكرة استعادة مأساة سقوط الأندلس إلى ما يمسّ إعادة بناء ذاكرة جمعية مسكونة بجرح فقدان الأرض وضياع الهوية، من أجل إحياء ما اندثر عبر الأزمان، يفتح النص جرحاً إنسانياً لم يلتئم ويحوّل الوقائع التاريخية إلى خطاب أدبيّ يكسر حدود الماضي والمنفى والذاكرة ويحاورها بلا هوادة بأدوات الحاضر وضغوطاته.
هل كتبت رضوى عاشور هذه الرواية بدافع المقاومة؟ وإذ كان سقوط غرناطة بالنسبة لها أكثر من حدثٍ تاريخي من الماضي فهل تقدم بخطابها تحذيراً للحاضر من مصيرٍ مشابه؟ المتفحص لمشروعها الأدبي يجده مشغولاً بمواجهة المحو، إذ جعلت من الكتابة وسيلة لحفظ الذاكرة وتحصين الحاضر مؤكدة أنّ الأدب يمكن أن يكون فعلاً من أفعال المقاومة، وقد صرّحت في أكثر من مناسبة أنّ استعادة الأندلس تتجاوز حدود الحنين؛ فهي محاولة لتذكير القارئ بأنّ التاريخ يعيد نفسه وأنّ فقدان الأرض والهوية سلسلة متواصلة لا حدثاً عابراً أو منقطعاً.
تنهض شخصيات الرواية بعبء المأساة، فأبو جعفر ومريمة ونعيمة وغيرهم لا يُقدَّمون بوصفهم أفراداً مستقلين بقدر ما يُجسّدون رمزاً جَمعِياً للإنسان العادي الذي يواجه الفقد بالتمسك بالحياة واللغة والذاكرة ويمنح حضورهم بُعداً إنسانياً عميقاً يسهّل على القارئ التماهي مع التجربة، ويجعل ما يمرّون به قريباً من واقعه الإنساني فتفاصيل بسيطة، مثل رائحة الخبز ودفء العائلة والحكايات المتداولة، إلى أدوات رمزية للمقاومة والحفاظ على الوجود. وهكذا تتجلى المقاومة في الرواية من خلال الحياة ذاتها، حيث يغدو الاستمرار في العيش بكل تفاصيله البسيطة شكلاً من أشكال الصمود في مواجهة الفقد والاندثار.
تؤدي غرناطة / الفضاء في الرواية دوراً يتجاوز مكانيّة الأحداث؛ إذ تغدو رمزاً حضارياً يجسد ذاكرة الأندلس وهويتها التاريخية ومن خلال ارتباط الشخصيات العميق بالمكان، تتكشف مأساة الفقد بوصفها تجربة وجودية تمس الإنسان في جذوره وانتمائه، ويبرز ذلك في قول الرواية: “يقررون عليه الرحيل، يسحبون الأرضَ من تحت قدميه، ولم تكن الأرضُ بساطاً اشتراه من السوق، فاصَل في ثمنه ثم مد يده إلى جيبه ودفع المطلوب فيه، وعاد يحمله إلى داره وبَسَطه وتربع عليه فى اغتباط، لم تكن بساطاً بل أرضاً، تراباً زرع فيه عمره وعروق الزيتون، فما الذي يتبقى من العمرِ بعد الاقتلاع؟”… وما سبق يؤنسن المكان ويكشف حجم المعاناة الناتجة عن اقتلاع الإنسان من تاريخه وذاكرته كما يُسهم البناء الزمني القائم على التدرج في تعميق الإحساس بالمأساة، فالأحداث تتقدم ببطء مثقل بالخوف والقهر مما يجعل السقوط الحضاري يتكشف أمام القارئ بصورة مؤلمة ومتصاعدة ويمنح الرواية طاقتها التأثيرية العميقة.
ولا يمكن قراءة ثلاثية غرناطة بوصفها رواية تاريخية تروي أحداثاً انقضت وانتهى أثرها، إذ تتجاوز حدود الماضي لتطرح أسئلة ما تزال حاضرة في واقعنا المعاصر. فالمأساة التي عاشها أهل الأندلس بعد سقوط غرناطة، بما رافقها من تهجير وقمع ومحاولات لطمس الهوية الثقافية والدينية، تستحضر بصورة لافتة ما يعانيه الفلسطينيون من اقتلاع وتشريد وصراع من أجل الحفاظ على الأرض والذاكرة. ومن هنا تكتسب الرواية بعداً انسانياً يتجاوز خصوصية الزمان والمكان، لتغدو نصاً يتناول تجربة الإنسان في مواجهة محاولات المحو والإقصاء.
وتبرز قيمة هذا التوازي في أنّ رضوى عاشور لا تقدم الهزيمة حدثاً عسكرياً فحسب، إذ تكشف آثارها العميقة في حياة الأفراد اليومية؛ فالخسارة تمتد إلى اللغة والعادات والذاكرة والانتماء، وهذا ما يجعل تجربة شخصيات الرواية قريبة من تجارب شعوب كثيرة عانت الاستعمار والتهجير، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني الذي ارتبطت قضيته بالدفاع عن الأرض بوصفها جزءاً من الهوية والوجود، فالأرض في الرواية ليست ملكية مادية يمكن تعويضها، بل فضاء تتجذر فيه الذكريات والعلاقات الإنسانية والشعور بالانتماء، ولذلك يصبح فقدانها شكلاً من أشكال اقتلاع الذات. ويؤكد النص هذا المعنى حين تقول رضوى عاشور: «لو قُدّر لأهل غرناطة أن يعلموا الغيب، هل كانت تبدو السنوات القليلة التي أعقبت ضياع بلادهم قاعاً لا قاع بعده للمهانة والانكسار؟»
ومن هذا المنظور، تتحوّل ثلاثية غرناطة إلى خطاب مقاومة يحفظ الذاكرة من النسيان ويؤكد أنّ بقاء الهوية لا يرتبط بالسلطة السياسية وحدها، وإنما يتجلى أيضاً عبر التمسك باللغة والثقافة والتاريخ ولهذا لا تبدو الرواية استعادة لمأساة الأندلس فحسب فهي شهادة أدبية على تكرار أنماط الظلم والاقتلاع عبر التاريخ، ورسالة تؤكد أنّ الشعوب قادرة على مقاومة الفناء ما دامت تحتفظ بذاكرتها الجماعية وإرادتها في البقاء، لقد قدمت الرواية قاموساً مقاوماً من الألفاظ التي تثبت الحق وتعزز الذاكرة.
تطرح الرواية أيضاً أسئلة وجودية عميقة: ما معنى أن تُمحى هوية شعب؟ كيف يمكن للذاكرة أن تصمد أمام محاولات المحو؟ هنا يظهر البُعد الفلسفي في النص، حيث تتحوّل الحكاية إلى تأمل في معنى البقاء ذاته. التشبّث باللغة والذاكرة يصبح فعلاً وجودياً، وكأنّ الرواية تقول إنّ الإنسان لا يُهزم تماماً ما دام قادراً على الحَكِي.
اقرأ أيضاً
رضوى عاشور: رحلة امرأة استثنائية في عالم الأدب والنضال
قراءة في رواية “الطنطورية” لرضوى عاشور
أدب المقاومة: ملامح الهوية الفلسطينية عبر الكاريكاتير والشعر والرواية
فلسطين: الأرض، الإنسان، والقصيدة
غسان كنفاني: الكلمة التي صارت قضية
وإذا قارنا ثلاثية غرناطة بأعمال أخرى لرضوى عاشور مثل الطنطورية أو أطياف، نجد أنّ مشروعها الأدبي متسق في جوهره: مقاومة النسيان وحماية الذاكرة. في الطنطورية، تستعيد مأساة فلسطينية معاصرة، بينما في غرناطة تستعيد مأساة تاريخية، لكن الرابط بينهما هو الإصرار على أنّ الحكاية قادرة على مواجهة الفناء، هذا الاتساق يجعل من أعمالها مشروعاً أدبياً متكاملاً حيث تتكرر ثيمة الفقد والاقتلاع والبحث عن معنى البقاء.
لقد امتازت لغة الرواية بشاعرية هادئة بعيدة عن المباشرة والخطابة، إذ يتنقل السرد بانسياب بين الوصف الدقيق والتأملات العميقة والحوار مما يخلق إيقاعاً داخلياً متدرجاً يجعل القارئ يعيش تفاصيل المأساة لحظة بلحظة، البطء الناتج عن كثافة التفاصيل اليومية يُضفي على النص طابع الانهيار البطيء، حيث تتحوّل اللغة نفسها إلى نسيج أدبي متماسك يوازن بين الحس الجمالي والبُعد التأملي. ومن هنا تتجلى خصوصية اللغة في كونها تتجاوز الوظيفة السردية لتصبح أداة مقاومة فاعلة؛ فالإيقاع الهادئ والصور الشعرية والحوار الكاشف لعمق الشخصيات يفتحون أفقاً جمالياً وفكرياً يجعل من النص خطاباً متكاملاً، يوحي بأنّ الجمال ذاته يحمل طاقة مقاومة وأنّ بناء الصورة الفنية جزء من مواجهة الفناء.
في الدراسات النقدية العربية الحديثة تُعدّ ثلاثية غرناطة واحدة من أبرز النماذج التي أعادت مساءلة الكتابة التاريخية من داخل الحسّ الروائي، إذ يُقدَّم الماضي بوصفه سرداً غير مكتمل أو حقيقة منفتحة على إعادة التخييل والتأويل، بما يتيح تداخل التاريخ مع الذاكرة الفردية والجماعية. وبهذا المعنى تتحوّل الرواية إلى فضاء لإعادة إنتاج التجربة التاريخية على مستوى الدلالة والوعي، فتغدو نصاً يشتبك مع أسئلة الهوية والانتماء والتمثيل.
وفي هذا الإطار، يقدّم زعزاع (2021) قراءة تُبرز أنّ اشتغال الرواية على التاريخ يرتبط ببناء موقف سردي مقاوم، إذ تُفعَّل الذاكرة بوصفها أداة لإعادة تفكيك خطاب المحو التاريخي وإعادة تشكيله من منظور إنساني بديل يمنح التجربة المهمّشة حضوراً وصوتاً داخل السرد. وتُظهر هذه المقاربة أنّ البُعد المقاوم في النص يتأسس عبر آليات فنية دقيقة تجعل من الحكاية شكلاً من أشكال استعادة الوجود الرمزي في مواجهة الإقصاء (زعزاع، 2021). (1)
أما على مستوى الدراسات السردية، فيقدّم سعيد يقطين إطاراً نظرياً يُبرز الرواية كبنية خطابية مركّبة تتداخل فيها عناصر الزمن والسرد وتعدد مستويات الحَكِي. هذا التصور يتيح إعادة قراءة النصوص الروائية كأنساق مفتوحة على أكثر من معنى، ويساعد على تفكيك السرد الأحادي للتاريخ لصالح رؤية أكثر تعددية وتركيباً في تمثيل التجربة الإنسانية (يقطين، تحليل الخطاب الروائي). (2)
وبذلك يمكن تلخيص مجمل القراءات في أنّ ثلاثية غرناطة تُقدم التاريخ كحقل تخييلي مفتوح يعيد توزيع الأصوات داخل السرد، ويمنح الذاكرة والهامش حضوراً فاعلاً، لتتحوّل التجربة التاريخية إلى سؤال حيّ يتجاوز الماضي نحو الحاضر وإمكانات الفهم المستمر.
وفي المحصلة، تقدم ثلاثية غرناطة رؤية تتجاوز حدود الحكاية التاريخية لسقوط الأندلس، لتصبح نصاً يُعيد تشكيل الذاكرة في مواجهة المحو. وتؤكد الرواية أنّ التاريخ لا ينقطع أثره تماماً، وإنما يستمر حضوره في اللغة والسرد والوعي، وأنّ فعل الكتابة يتحوّل إلى وسيلة لحماية الإنسان من النسيان، فيغدو الأدب شكلاً من أشكال الصمود في وجه الفناء.
وفي الختام، يمكن القول إنّ الرواية لا تُقرأ بوصفها استعادة لماضٍ منتهٍ، وإنما تجربة فنية وإنسانية تفتح أسئلة مستمرة حول الهوية والذاكرة ومعنى البقاء، لتظل حاضرة في الوعي النقدي والأدبي كنص يوازن بين الجمال والدلالة العميقة.
______________________________________
1- زعزاع، أحمد (2021). المحكي التاريخي واستراتيجيات المقاومة الثقافية في رواية ثلاثية غرناطة. مجلة علمية محكّمة.
2- يقطين، سعيد. تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.



أضف تعليق