نادية حناد حان
يقفز في الهواء قفزتين خفيفتين، ويبقى معلقاً هناك في اللاشيء… يفكر…
لا يستطيع التفكير إلا في حضرة اللاشيء.. يشعر بثقل غريب.. ينتزع أشلاء روحه القذرة.. يغسلها كما يغسل الميت.. يصفق لرحيلها.. ويلقي بها…
ثم يقفز قفزة بهلوانية، ويدور دوران محتفل مجنون.. يفكر..
أشلاؤه المدفونة تنظر إليه من تحت، تترقب سقوطه.. لا يكترث!
ينتزع عيناه.. أذناه.. يداه.. وجسده منه..
يقبلهم قبلة الوداع الأخير، ويقطع لهم رحلة ذهاب دون رجوع إلى منفى أشلائه..
أصبح أخف من الهواء..
هذه المرة لم يقفز.. بل حلق بعيداً ليتجاوز السماء..
السماء ساخطة: لا أحد فوقي.. أنا فوق الجميع!
تنظر له السماء من تحت.. تماماً مثل أشلائه وجسده المهجورين تترقب سقوطه المنتظر!
هنا هو فوق الجميع.. ولا يزال يفكر!
بدأت تخرج منه فقاعات.. فقاعات وردية.. تراه يهذي أو يحلم!
كل فقاعة عالم بذاتها.. يفترشها وينام قليلاً ليرتاح.. لوقت لا يعلمه..
تنفجر أحد الفقاعات فتوقظه..
الجريمة: النوم..
القتيل: فقاعة حلم بريئة..
العقاب: لا مزيد من النوم لأجل غير مسمى!
يخيط فقاعاته خوفاً عليها منه.. ثم يرتديها..
لتصبح جسده وليصبح هو جسدها..
لم يقفز.. ولم يحلق.. ولم يفكر!!
اقرأ أيضاً
بدايات الخيال العلمي العربي – حي بن يقظان
فلسفة حرفٍ وحياة…
على حافة الجوع – صفحة من مذكرات رجل فلسطيني
ديلما أو أصداء من الماضي الغابر
تلك الفقاعات كانت تعلم الطريق، أخذته حيث كان يجب أن يكون… أعادته إلى أشلاءه وجسده!
ولكن لماذا؟
التفت الفقاعات به وبأشلائه وبكل ما ألقاه.. بدأت بالدوران..
كان يتوسطها داخل فقاعته..
الفقاعات الأخرى تدور حوله بانتظام.. تدور وتدور ولا تتوقف..
إنه نجم وأشلاؤه كواكب!
مشهد سماوي كوني.. كان نجم كونه الإلهي..
تزايدت الفقاعات.. أكثر وأكثر.. ملأت الكون..
الكون امتلأ به.. وامتلأ هو بالكون..
احتكاك الفقاعات موسيقى..
كلما طال دورانها، كلما علا صوت موسيقاه..
كانت موسيقى هادئة بداية.. لتصبح سمفونية ملحمية..
سمفونية بعث وإحياء ما مات..
أصبح له صوت!
له صوت الكون.. هو صوت الكون!
فقاعات تعانق بعضها.. كل واحدة تقول للأخرى: لا خوف بعد اليوم.. لست وحدك أنا هنا.. لا أحد وحيد بعد اليوم..
فيزداد هياجانها ودورانها فرحاً.. تدور وتدور ولا تزال تدور!



أضف تعليق