أُوبالُ الأحلام
حينما لا نعلم آلية خوض الأمور حولنا وتسييرها، تبدأ رحلة الغوص في اللامعرفة. أهلاً بك في إحدى بوابات الحياة، وهي بوابة اللامعرفة.
منذ لحظة نشوء الإنسان الأولى، لم يكن يعلم شيئاً حتى عن الشيء عينه. وكذلك نحن في وضعنا الحالي، ومع صوب تطوّرنا وتقدّمنا، نبقى عبارة عن ورقة تُكنى بالمجهول؛ ورقة تكتسحها اللامعرفة بالماهية الخاصة بها. ربما تتعلق بحبال صدوح صدى الغد، أو غبار سنوات لم تأتِ بعد وقد لا تأتي. كأن تُوضع بين يديك شمعة، وتُكلَّف بالحفاظ عليها، وأنت لا تعلم كينونة ما ستصبّه الشمعة تجاهك؛ فقد تكون تحمل بين طيّات لهيبها تلك النار التي ستشوب روحك للتشويه القسري، وربما تؤول بك إلى الفناء.
يسير الإنسان في طرق الحياة، يعبر مفترق الطرق واحداً يليه الآخر، إلى حين وصوله لتلك الورقة. وإن قلّبها وكان ما يختبئ فيها هو النهاية، فإن كان للإنسان عزيمة البقاء، يخلق من هذه النهاية اتفاقية البدايات الجديدة.
وفي أثناء قلب مخبوء الورقة، يُجسَّد الأمر أو الشعور، كشخص يقف على عتبات مسرح مظلم، وجمهوره ذاته. ليضاء ضوءٌ يشير بالاستكمال، أو ضوءٌ يعلن آخر مقطوعات البقاء.
يبقى يؤجل ذلك اليوم مراراً وتكراراً؛ لينتهي به الأمر إلى جبرٍ قسري للمواجهة والوقوف، لكشف المخبوء، ليكون محصوراً بين البقاء والفناء. يصبح حينها كمن جُرَّ لأرض معركة لا يفقه فيها شيئاً، ليفاجأ بلهيب تنين يحاصره؛ فإما الفلات منه، وإما الفناء.
وبذات الآلية والشعور تسير بنا قرارات الحياة، سواءً كانت المصيرية، أو قرارات التوقع الاستباقي. وهنا ينمُّ الأمر حول ما أسميته: “التوقع الاستباقي”. ففيه يكون الإنسان يفيض في سلامه الداخلي، ولا شيء يفسد الأمر سوى ذلك الشيء الذي يبقى يخالج مواطن الدماغ. ففيه يبقى تائهاً بين عتبتين تقتصران على أسوأ سيناريو أو الأفضل. وسيُوهم ذاته وفكره بالحياد تجاه المفارقتين، لكنه سيكون قد بنى عالماً مكتمل الأركان والهيكلة تجاه أحدهما.
وحينما يوضع في المسرح بشكلٍ سيفتح ما تخبئه المجهولية، ليفاجأ بالأمر حينما لا يتوافق مع ذلك العالم، ليكتشف أكذوبة العقل وزيف الحياد. لتُضاء أنوار المسرح حاملةً معها صك الحقيقة.
في الوضع الطبيعي الذي لا يكون فيه الأمر قد بُني مسبقاً، يكون المرء في قيد الذهول المؤقت، لكنه سيخرج منه حتماً ليبحث عن أمل وسط الظلام.
ولكن في الأمر الثاني، الذي يكون فيه قد بُني كل شيء وجيء بنقيض ما تم بناؤه، يتحوّل الوضع كإعصار مدوٍّ يحتل كل حواسه، ويبدّل كيانه بغير الذي كان.
وفي فَيَنات تخبطاته بين الواقع والمتوقع وما آل إليه فكره، يضرب مركز روحه، لتصبح الروح كالشجرة النابتة المسمومة. وحينها سيكرّس عقله الواعي جهده للتعامل، لكنه لن يستطيع. لتهيمن قوة العقل اللاواعي، وتتغير آلية الدماغ ليتخذ أساليب دفاعية تحيق بروحه للهلاك؛ كمن كان يظن نفسه يهاجم شخصاً أو شيئاً دفاعاً عن نفسه، ليكشف في نهاية الأمر أنه كان يهاجم ذاته.
وفي منطلق خياري البقاء والفناء: إن حالفه البقاء، فتنشأ حياة جديدة يكمل بها. وإن جاء الأمر بنقيضه؛ فستختفي روحٌ بُعثرت في قسوة الواقع، وعقلٌ ليهدئ صراع الحيرة بنى عالماً كاملاً ليسقط في جعبته. وسقطت معه روحٌ تمنّت البقاء. ومع محاولات العقل الاستمرار على الركام، دُمّرت روحه، لتُنفى هذه الروح وهذا الكيان في عُباب اللاوجود.



اترك رد