سارة خالد
كاتبة جزائرية
ألقى نظرة من الشباك المطل خارجاً حيث تهُب نسماتٌ لطيفة من الجو الخريفي الذي أتى قبل أوانه بأيام تداعب فيها الأوراق وهي تتمايل متأرجحة تصنع صوتاً خفيفاً لا يُسمع إلا للقريب منه، غادرت زوجته أنيسة إلى عملها وعلى إثرها الولدين إلى مدارسهما، سحب الستار إلى موضعه ليرجع إلى الحجرة وثبّت ظهره على حافة الأريكة وقد ألقى أطرافه مستلقية تتخذ لها موضعاً، وراح يُحدق بعينين خاملتين عليهما أثر من تعب وهو يزفر بتنهيدة من فمه، شعور غامر بداخله يقول أنه رجل آخر لم يعد هو نفسه السيد حميد أستاذ الفيزياء بوقفته الصارمة ونظرته الحادة التي يتوقد منها الحماس ناطقاً وتبرز منها الثقة التي تنُم عن الذكاء والخبرة بصورة ظاهرة من التوقير والوقفة الجادة بالمعطف الأبيض وهو يغوص في معادلاته وتجاربه وهو يُلقي بها إلى الرؤوس المُنصتة إليه بحذر.
ثمة عاطفة غريبة تبسُط نفوذها فتكتُم على صدره وتسيطر عليه ولا يبدُر منه غير عجز واستسلام وكأن لا طاقة له ليُجاري بها قوتها، تلك الورقة التي أبعدته عن حياته الحقيقية وأحالته إلى المعاش دون أن يشعر كيف وصل سريعاً إلى هذه المرحلة، ألم يكن يرى أنها بعيدة عنه وأنه لم يزل في خطواته الأولى سعيداً بوظيفته وأنّ ما يفصل بينها وبينه هو ما يفصل الناظر من أسفل مسافة إلى قمة جبل شاهق، لكن الزمن عَبَر بسرعة هي أشد من لمحة البرق ولم يُمهله إلى أن ينظر إلى نفسه أو يتأمل تلك اللحظة فيُهزئ من بعدها منه أو يتمنى قربها لطول ما سينتظرها، لقد أمسكه الزمن متلبساً كما يمسك رجل الأمن لصاً مُثبتاً بجريمته.
وعطف برأسه على الجوانب كافة في أرجاء الحجرة ليجدها تغرق في سكون طويل لا يقطعه شيء وكأنّ كل ما حوله ينشد السكون ولا يمل منه، على الطاولة تتبعثر مجموعة من المجلات والكتب فوق بعضها بغير انتظام وبجانبها فنجان القهوة الذي يحتسي منه جُرعات مُتمهلة، نظر إلى نفسه كأنما يُدقق بصره إلى جسده أول مرة، الجسد الذي بدأ في تغيره الواضح وعليه بَدت سمات سُمنة على الساقين السائرتين إلى التكوير، بِضع شعيراتٍ بيضاء تتناثر على الذراعين وعلى وجهه، أحسّ كأنما دُهوناً اكتظت على وجنتيه كمن يلوك في فمه شيئاً، وقوة عجيبة مغرية بالنوم والراحة تجذبُه إلى الأريكة أو السرير أو كرسي الحديقة الخشبي بطاقة مغناطيسية يطيعها دون تردد أو مقاومة، يحفظ مواقع الأشياء صغيرة وكبيرة في كل حُجرة من البيت لطول قبوعه الطويل فيه ويقوده أنفه إلى المطبخ كلما تشمّم رائحة الطبخِ ويجذبه الليل إلى النوم الدافئ الذي يُرخي أطرافه الراغبة في الجلوس والاسترخاء، لقد تغير رغماً عنه وثَبّتت السنوات الطويلة بنفسه حبّ الاستلقاء والطعام والتلفاز والحاسوب، وإن استحكم جسده شيئاً من القوة هبّ مستجيباً لنداء الحماس الطارئ فوجد نفسه ينزل إلى القهوة القريبة من البيت فيجلس على أول كرسي يقابله ويطيل الكلام ويحتسي فنجانه على مَهل، وسأل نفسه كمن يُخاطب شخصاً يجلس قبالته..
تغيرت، نعم تغيرت… فعلاً، كيف حصل معي هذا التغير المفاجئ وانقلبت حياتي، كيف انتفخ الجسد الرشيق وانقلب إلى جسد عاجز يدور بين جنباتِ البيت ويتصرف بآلية عقل مُغيّب يحفظ تصرفاته اليومية ويُعاني فراغاً هائلاً، هل صرتُ أحبّ السكون وأنتظر سعادة مرور الساعات وأتفرج عليها وهي تمُر ويسيل الزمن الذي كنتُ أحسبه بالثواني من أصابعي كما يسيل الماء متقاطراً على الأرض.. وركِبته نشوةٌ عابرة اهتز على إثرها الجسد الممتلئ وكأنه يصحو من كابوس طويل على شعاع شمس الصباح الضارب على وجهه من ضلفةِ الشُباك المفتوح، فنهض بجهدٍ ملحوظ ودخل حُجرته وأغلق من ورائه الباب، ارتدى بدلته الزرقاء وأحكم قفل ياقة قميصهِ الأبيض وربطة عنقهِ المخططة التي أحبّ ارتدائها منذ زمن قديم وظهر بصورته المُهندمة القديمة التي تُوقظ بداخله الرجل النشيط بأناقته ومحفظته الجلدية بلونها البُني التي تُضفي عليه سِمة الجدية والعمل الصارم.

فتح الحاسوب لدقائق ملقياً نظرة تفقدية ثم اتجه إلى مكتبه الذي لم يلمس شيئاً من أوراقه منذ سنوات، أخرج ملفاتٍ مكدسة فوق بعضها وعَبَر إليها ببصره باقتضابٍ وهو ينفُضها على حافة المكتب يزيح عليها غباراً عالقاً، وارتفع واقفاً إلى أدراج المكتبة المكتظ على رفوفها كتب علمية وفيزيائية وفي الدولاب يضع كماً هائلاً من الجرائد اليومية التي قرأها منذ أعوام خلت محافظاً على عادته المتميزة وهوايته في أن يُخبئ كل جريدة صباحية يقرأها، حتى بات يمتلك عدداً غير محسوب من الجرائد التي لا يرميها ولا يتخلص منها مهما طلبت زوجته ذلك متذمرة منه.
وانسحبَ من الحجرة دون أن يجد ما يفعله، وفي الردهة نظر إلى الساعة الجدارية ليجدها تُشير إلى العاشرة والنصف ومضى يقترب من باب البيت لتترامى إلى أذنه أصوات نابعة من الخارج تتحدث بحرارة تحفُل بجو الحياة الضاجة بالحركة والكلام بعيداً عن هذا السكون الذي يلفه من الداخل، غمره شيء من الرغبة في مشي طويل وأن يختفي مما يحاصره، الانتظار والضجر والكسل والنوم، أجل يتمشى ويُطلق ساقيه للحركة والانطلاق وإن كان بلا شغل ولا وظيفة يسير إليها بوقت معلوم دون تأخير فلا يدري إلى أين يمضي، المهم أن يهرب من نفسه من حرب فراغه الذي بات يصفّر بداخله رياحاً أشبه برياح شتوية ينفخها الشتاء في بيت مفتوح، ليس الأمرجديداً عليه، إنه يخاف الفراغ منذ اللحظة التي كان فيها بعيداً منه في غمرة الشغل والشباب والحماس فكيف إذا وجد نفسه يسير في حلقة دائرية تؤدي به إلى نفس النقطة التي انطلق منها فلا مخرج له ولا منقذ منها، إنه الخوف، الخوف من الماضي والخوف من الحاضر والخوف من المستقبل القادم والخوف من الترقب والانتظار فكيف ينجو من عاطفة الخوف التي تطارده ويُنقذ نفسه من معاركه النفسية التي يخوضها في سِره المغلق فلا أحد من أسرته يعلم عنها شيئاً ويظنون أنه رجل وجد غايته في سعادةٍ ظفر بها في الراحة التي أزاحته عن العمل.
خرجَ وتوارى خلف الباب وانطلق بخطوات وئيدة حتى انتبه سمعه لأصوات القاعدين على المقاهي بأحاديثهم التي تشترك لتصنع همهمة كالفوضى لا يُفهم منها شيء وهي تتطاير في الهواء، ولوحت له من بعيد يد صديق تعرّف عليه حديثاً في المقهى ونادى بصوتٍ يدعوه للانضمام فحياه بابتسامة وبتحية مقتضبة معتذراً بالانشغال رغم رغبته التي ألفت ذلك الجمع وهرج الحواراتِ التي تتجاذب بسرعة زمنية تسرقُ الساعات الطوال دون شعور على رغم ما بها من تسلية وأنس وكأنه يمُد من وقته إلى الفراغ بقلبٍ طائع ونفسٍ راضية، واستنشق من الهواء البارد بنفسٍ طويل يستشعر رطوبة النسائم المنعشة التي جددت أنفاسه، ويتأمل بصره كل شيء حوله في الشوارع، وجُوه العابرين وواجهات المحلات وسيارات الطريق السريع التي تمر أمامه ولمح محلاً على عتبته التي تصطف بها أنواع كثيرة من المجلات والجرائد المُعنونة في ظاهرها بعناوين جذابة فانعطف إليه يتناول جريدة الصباح بوجهٍ عليه ابتسامة هادئة وبنظرةٍ عابرة قرأ العناوين الأولى في صفحة المقدمة بسُرعة ثم استبطها على يمينه.
ثقلٌ عجيب يطرأ على قدميه يجعله يضغط بقوة من جسده كي يُثبت خطواته وكأنه لم يعتد ذلك أو أنه بصدد تعلّم المشي، هو نفسه طريقه الذي كان يشقّه قبل سنوات وهو ماضٍ إلى العمل، لكن كثرة الجلوس أكسبته خمولاً زائداً سيتخلص منه بقليل من الإرادة وعما قليل سيتبدد كل هذا القلق والضجر الحائم حولي وتنزاح هذه التساؤلات من ذهني والحيرة التي تُغلّف على مخيلتي، مرحلة كهذه لن تُثني الذهن المتحفز الذي يحوي ذكاءً متقداً وفطنة فريدة في عالم الفيزياء، في هذه اللحظة بالذات أشعر أني قادر على أن أشغّل عقلي وأحلّ مسائل معقدة ومعادلات مهما كانت صعوبتها، ألم أكن بالأمس أنغمس في غمرة القراءة والمعادلات الفيزيائية خارج حدود الزمان والمكان..
وعلى طاولة الغداء اجتمع بأسرته على كرسيه وعلى المقابل مباشرة تجلسُ زوجته وعلى الجانبين ولديه، يضع كلُ واحد بصره صوبَ صحنه ويتناولون غدائهم بطمأنينة وهدوء، نظرت إليه زوجته وهي تلحظ عليه معالمَ من التغير الذي لم يخفى على أي أحدٍ منهم، قالت تخاطبه:
يبدو عليك شيء من التغير اليوم.
وتطلّع إليها بنظرة من كان ينتظر تساؤل المهتم لحاله وقد جاء في وقته:
نوعاً ما، شيء كهذا، كان صباح اليوم مختلفاً فقد جُلت طويلاً في شوارع لم أسِر فيها منذ مدة طويلة.
هذا جيد حقاً، المشي خيرٌ من الجلوس الطويل.
وأردفت:
ألم أخبركَ قبل هذا أن تتعوّد على فعلِ أي شيء عدا المكوث بالبيت دون فعلِ شيء يذكر.
وأجابها:
تماماً، الجلوس والراحة هي من أرهقتني، أخشى أن أشكو ألم المفاصل قريباً لطول النوم الذي أنامه.
معك حق، أشغِل نفسك بأي عمل يُروّح عن النفس، ثم إنّ تقاعدك لا يعني أن تبتعد عن الحياة وتستبدلها بالكسلِ والملل الذي يتسلل إليك من الفراغ.
وانسرب إلى نفسه شيء من التحفّز ليقول لها:
إني أفكر في برنامج أخصصه لممارسة الرياضة وقراءة الكتب والتقليل من الطعام.
فكرة طيبة حقاً.
أجل، ما زال بداخلي عزيمة قوية لفعل كل ذلك.
وانهمك يتناول صحنه بتمهّل كبير وهو يرقب أثر كلامه على الوجوه الثلاثة بنصفِ عينٍ منتبهة ليلحظ مدى انشغالهم بمُخططه الطارئ الذي لا بد هو يهمُهم جميعاً ولقد لفَت انتباههم إليه، لا يود أن يكون جسداً متكتلاً ينطرح معظم وقته على الأريكة وسط الحُجرة يلقي في جوفه فناجين من القهوة والشاي دون حسبان ويداوم تلك النظرة الساهمة التي تتأمل الجدران، الترقّب والانتظار للمجهول من الأيام القادمة هو محاولة للوقوع في فخ كبير، والذي يقضي على كل رغبة في فعلِ شيء ذا بال، وكأن لا شيء يربطه بهذه الحياة وهو لا يريد أن يلمح أي نظرة مُخجلة تنال منه أو تُنقص من قيمته في عين زوجته أو أحد من ولديه، هو من سيصنع الدور الذي يليقُ به وبعقله وما قدّمه في وظيفته السابقة، وبعد الغداء دخل حجرة ابنه الذي وجده منهمكاً على مكتبه وسط كُتبه وما بين يديه ينكب على الكتابة في الكراسة المفتوحة أمامه، تطلّع إليه وهو يدنو من الكتاب المفتوح وراح يعمل معه على حلِ ما صعُب عليه من التمارين الفيزيائية ويقوم بشروحاتٍ لكل ما لم يستطع استيعابه وقد وجد في ذلك ضالته وخصص له من اليوم ساعة للمذاكرة جعله يستوعبُ الكثير في الفيزياء وأضاف هذه الساعة إلى مخطط برنامجه الذي ينتظر التنفيذ، وأشد ما تحمس له هو تلك اللحظات التي يُقبل فيها ابنه بكتابه وقلمه فيدخلان معاً معتركَ عالمه المُحبب الذي جعله يشعر بأنه يزاول مهنته القديمة بالشغف والحماسة ذاتها دون أن يتغير منه شيء.


أضف تعليق