أيمن زيدان
يتصارع العالم في خضم قسوة الواقع وتعقيداته، تتشابك فيه الأحداث وتتداخل المصالح، ويشعر كل فرد وكأنه عالق في دوامة لا تنتهي، في خضم هذا الصراع، تبدو القصص وكأنها الملاذ الأخير للإنسانية، تلك المساحة المقدسة التي تتمكن الأرواح من النجاة فيها من براثن الحياة وضغوطها، القصص ليست مجرد كلمات تُكتب على الورق، بل نافذة نُطل من خلالها على عوالم بديلة، وتتيح لنا إعادة اكتشاف المعاني والأحاسيس التي فقدناها مع ضجيج الحياة اليومية.
وربما يتساءل البعض: هل يمكن للقصص أن تُحدث فعلاً تغييراً حقيقياً في العالم؟ أليست مجرد خيال يُنسج في أذهان الكتّاب؟ الحقيقة أنّ القصص تمتلك قوة خفية عميقة، تُشكّل رؤيتنا للحياة وتُعيد صياغة واقعنا بطرق لا تُحصى، والقصص أيضاً تلعب دوراً أساسياً في رسم مستقبلنا، وتفتح أمامنا آفاق جديدة تدفعنا للتأمل في الاختيارات والقرارات التي نتخذها، وهذا يمنحنا القدرة على إعادة التفكير في تجاربنا وفهمنا للوجود.
قوة القصة في تحويل العالم
قد يبدو أنّ القصص مجرد حكايات تُحكى، لكنها في جوهرها تحمل طاقة كامنة تتجاوز حدود السطور، تفتح نافذة على عوالم بديلة، ومخيلة تسبح في فضاء الفكر، حين نحكي القصة، لا نوثّق لحظة من الماضي فحسب، بل نُعيد تشكيل الواقع بعيوننا، نُعيد تعريف المألوف، ونخلق المعاني في الأشياء التي قد تبدو عادية، نحن نحاول أن نقول للعالم: “انظر! هناك شيء آخر يمكن رؤيته خلف تلك الحدود الضيقة”.
كلما قرأتُ قصصاً عظيمة، أدركتُ أنها لم تكن مجرد سردٍ لأحداث، وإنما قوة تدفع نحو التغيير، من الأساطير الإغريقية إلى الروايات المعاصرة، كانت القصص دائماً ما تتجاوز كونها مجرد ترفيه، خذ على سبيل المثال رواية البؤساء لفيكتور هوغو؛ لم تكن فقط عن معاناة شخصية، بل كانت صرخة في وجه الظلم الاجتماعي، وهي ما ساهم في تغيير قوانين فرنسا وألهمتِ الملايين.
الحاجة إلى قصص أفضل
في ظل الأزمات التي يمر بها العالم، نحن بحاجة ماسة إلى قصص أفضل، قصص تفتح أعيننا على ما لم نرَ من قبل، قصص تتجاوز حدود الثقافة الواحدة والأفق الواحد، ليس المطلوب قصصاً مثالية، وإنما قصصاً تطرح الأسئلة العميقة، وتدعو للتفكير والتأمل، قصصٌ تقترب من الإنسان في جوهره، تخاطب روحه، وتزرع الأمل.
القصص التي نحتاجها ليست تلك التي تُجمّل الواقع أو تهرب منه، بل تلك التي تغوص في أعماق الحقيقة، تواجه بشجاعة جِراح المجتمع، وتُعيد للإنسانية إحساسها بالمشاركة، وحين نكتب عن الألم، فنحن لا نحاول تضخيم المعاناة، بل نرسم للآخرين خارطة للخروج من النفق المظلم، نحاول أن نقول لهم: “أنتم لستم وحدكم”.
وربما تكون رواية “أوليفر تويست” لتشارلز ديكنز، مثالاً عملياً لأهمية مواجهة الحقيقة، فواقع الفقر والظلم الذي كان يعاني منه الأطفال الأيتام في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر، والحياة القاسية التي عاشها أوليفر، تقدم وصفاً دقيقاً لجراح المجتمع آنذاك، وهذا ما أثار الوعي العام حول معاناة الفقراء والأطفال المشردين، وساهم في إصلاح قوانين العمل ورعاية الأطفال.
وكذلك رواية “الخيميائي” لباولو كويلو، سلّطت الضوء على البحث عن معنى الحياة وتحقيق الأحلام، وهي ليست مجرد قصة تحفيزية، بل تحفر بعُمق في الصراعات الداخلية للإنسان بين الرغبة في الاستقرار وبين الطموح لتحقيق الذات، ولم يحاول كويلو تجميل الألم الذي يرافق البحث عن الهدف، بل استخدمه كنقطة انطلاق لرسم خارطة داخلية للأمل والمثابرة، ليقول لكل قارئ: “أنت لست وحدك في رحلتك.”
قصص تتجاوز الزمان والمكان
القصة العظيمة تتجاوز مكانها وزمانها، تمتد عبر العصور لتصل إلى قلوب الناس في كل مكان، لعل من أبرز الأمثلة على ذلك هي الأساطير التي خلّدها التاريخ، مثل ملحمة الأوديسة لهوميروس أو ألف ليلة وليلة، هذه القصص لم تتوقف عند حدود ثقافة واحدة، بل انتقلت من جيل إلى جيل، وكأنها شعلة نور تتوارثها الإنسانية.
في هذا العصر، تغمرنا المعلومات السطحية، تبدو الحاجة إلى القصص العميقة أعظم من أي وقتٍ مضى، نحن بحاجة إلى قصص تنبُع من جوهر الإنسان، لا من حسابات الربح والخسارة، قصص تتعامل مع القيم والأخلاقيات والروحانيات كعناصر رئيسية، وليست مجرد تفاصيل هامشية.
كتاب “البحث عن معنى” لفيكتور فرانكل، كتبه بناءً على تجربته في معسكرات الاعتقال النازية، تناول فيه حقيقة جوهر الإنسان عند مواجهة الألم واليأس، لم يُركّز على الأحداث بحد ذاتها، وإنما عن أهمية إيجاد هدف للإنسان حتى في أصعب الظروف، كما وسلّط الضوء على القيم الأخلاقية والروحانية التي تساعد الإنسان على النجاة وتجاوز الأزمات.
عندما نقرأ عن شخص يعاني من الفقر أو الظلم، لا نتعاطف فقط مع شخصيته، بل نتواصل مع كل أولئك الذين يعانون في الحياة الواقعية، هذا الاتصال الوجداني هو الذي يجعل القصص أداة للتغيير.
القصة كأداة للتغيير
إذا كنا نسعى لتغيير العالم، فإنّ القصص هي إحدى أكثر الأدوات فعالية لذلك، القصص تُلهب المشاعر، وتخلق التعاطف، وتجعلنا نعيش حياة الآخرين حتى لو لثوانٍ معدودة، عندما نقرأ عن شخص يعاني من الفقر أو الظلم، لا نتعاطف فقط مع شخصيته، بل نتواصل مع كل أولئك الذين يعانون في الحياة الواقعية، هذا الاتصال الوجداني هو الذي يجعل القصص أداة للتغيير.
على سبيل المثال، رواية كوخ العم توم لهارييت بيتشر ستو، تناولت موضوع العبودية في الولايات المتحدة، لم تكن مجرد قصة شخصية؛ وإنما لعبت دوراً محورياً في إثارة الرأي العام والدفع نحو إلغاء النظام العبودي، القصة كانت الشرارة التي أشعلت ضمير أمة بأكملها.
خلق واقع بديل من خلال القصص
بعض القصص لا تسعى فقط لوصف الواقع أو نقده، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، فتخلق واقعاً بديلاً يعكس ما يمكن أن يكون، في الأدب الخيالي، يُفتح المجال لابتكار عوالم جديدة، تتجاوز قوانين الفيزياء أو حدود الزمان والمكان، قد يكون هذا هروباً من الواقع بالنسبة للبعض، لكنه في الحقيقة يُعد أداة للتفكير خارج الصندوق، لرؤية الأمور من زوايا لم نتخيلها من قبل.
في روايات هاري بوتر لج. ك. رولينغ، نجد مثالاً على طريقة خلق عالم بديل يمكن من خلاله مناقشة قضايا واقعية مثل الصراع بين الخير والشر، أو التمييز العنصري، في إطارٍ خيالي، هذه الروايات لم تكن مجرد سردٍ لحكاية ساحر شاب؛ بل كانت طريقة جديدة لرؤية العالم، والتأمل في القضايا الكبرى التي تمس حياة البشر.
رواية “ألعاب الجوع” تُعتبر مثالاً على الطريقة التي يمكن للأدب الخيالي أن يُسلط الضوء من خلالها على قضايا إنسانية كبرى، ويتيح الفرصة للتأمل في تعقيدات المجتمع، وحقيقة السلطة، والأمل في التغيير، إنها أكثر من مجرد حكاية مثيرة، بل دعوة لاستكشاف الجوانب المظلمة والمضيئة في عالمنا، والتفكير بعمق في القضايا التي تواجه البشرية.

المسؤولية الأخلاقية للقصاصين
لكن، مع قوة القصة هناك مسؤولية عظيمة، لكتابة القصص جانب أخلاقي لا يمكن تجاهله، الكلمات قادرة على بناء العالم أو هدمه، على إيقاظ الضمائر أو تغذيتها بالشكوك والتعصب، القصص التي تدعو إلى الكراهية أو تكرّس للأحكام المسبقة يمكن أن تكون مؤذية بنفس القدر الذي تكون فيه القصص الملهمة بنّاءة، لذا، فإنّ القاصين يحملون على عاتقهم مسؤولية تقديم قصص تدفع نحو الخير، وتساهم في جعل العالم مكاناً أفضل.
إعادة اكتشاف السرد
في ظل التكنولوجيا الحديثة وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، تغيّرت طبيعة السرد بشكل كبير، أصبح السرد وسيلة للتعبير الفوري، وبدأت الحدود بين الحقيقة والخيال تتلاشى، بات من السهل نشر قصة قصيرة أو تجربة شخصية عبر الإنترنت، ليقرأها آلاف الأشخاص في لحظات، لكن هذا الانتشار السريع يحمل في طياته تحدياً؛ فقد أصبح من الصعب التمييز بين القصص التي تحمل قيمة حقيقية، وتلك التي تسعى فقط لجذب الانتباه.
لعلنا نحتاج إلى إعادة اكتشاف فن السرد، وتوجيهه نحو قضايا أكثر أهمية، ليكون أداة لتقديم الحقائق بصدق، ولإيصال الأفكار المُعقدة ببساطة، نحن بحاجة إلى سردٍ يعيد للإنسانية توازنها في ظل ضوضاء المعلوماتية، وبحاجة إلى قصص تحمل في طياتها قضايا الإنسان بشكلٍ متكامل.
لنأخذ مثالاً، رواية “مرتفعات وذرينغ” لإميلي برونتي، الرواية ليست مجرد قصة حب معقدة، وإنما تعكس أيضاً صراعات الطبقات الاجتماعية والتأثير المدمر للانتقام والكراهية، السرد هنا يُبرز الجوانب النفسية المظلمة للشخصيات، ويكشف عن نتائج الاضطرابات العاطفية على حياتهم، وهذا يجعل القصة انعكاساً للطبيعة البشرية، تُظهر الرواية طريقة استخدام الأدب لتقديم مشكلات اجتماعية ونفسية من خلال سرد درامي ومؤثر.
القصص التي تغيّر نظرتنا لأنفسنا
عندما تكون القصص عميقة وصادقة، يمكنها أن تغيّر نظرتنا لأنفسنا، ربما نجد فيها شخصيات بعيدة كل البُعد عنا، ونكتشف ما لم ندركه في حياتنا الواقعية، القصص تفتح أبواب التأمل الذاتي، وتجعلنا نتساءل عن أشياء لم نفكر فيها من قبل، القراءة ليست مجرد عملية استهلاكٍ للأفكار؛ وإنما تُعد وسيلة لإعادة تشكيل الوعي، واكتشاف ما هو مخبأ في أعماق النفس البشرية.
الكتابة عملية تحوّل داخلية، رحلة تبدأ من الذات نحو الآخرين، لكن نهايتها دائماً ما تكون في القلب، رواية “رجال تحت الشمس” لغسان كنفاني، ربما تعكس هذه الصورة، فهي تركّز على ثلاث شخصيات يسعون للعبور نحو الأمل، تُظهر الكتابة هنا التحوّلات الداخلية لكل شخصية، فتُصبح الكلمات وسيلة للتعبير عن الألم والحنين، وكيف يمكن للقصة أن تتجاوز الذات وتصل إلى قلوب القارئين، مُحرضةً على التعاطف مع قضايا إنسانية معقدة.
قصص للعالم الجديد
إذا أردنا أن نصنع عالماً جديداً، فعلينا أن نبدأ بقصصٍ أفضل، قصص تُشعل شرارة الأمل، وتضيء الطريق للحائرين، نحن بحاجة إلى قصص تجعلنا نرى الجمال في الفوضى، وتكشف لنا النقاط المضيئة في أشد اللحظات ظلاماً، العالم يحتاج إلى قصص تنبع من أعماق القلب، وتُعبر عن التجربة الإنسانية بأكثر صُورها صدقاً.
كل شخص لديه قصة تستحق أن تُروى، وكل قصة تحمل في طياتها إمكانية لتغيير حياة شخص آخر، فلنكتب بحُب، ولنقرأ بشَغف، ولنَحلم بعالمٍ تُروى فيه أفضل القصص، لنكون نحن صانعي التاريخ ومؤلفي الحكايات التي سيتحدث عنها الأجيال القادمة.
العالم في أمسّ الحاجة إلى قصص أفضل، تُجسد روح الإنسانية بعمق وصدق، فهل ستكون أنت من يكتب الفصل التالي في هذا السرد؟ ننتظر بفارغ الصبر أن نسمع قصتك، فشاركنا بها واجعلها تنبض بالحياة.


اترك رداً على Kosay إلغاء الرد