سارة خالد – الجزائر
نال وحيد ما قد حلم به منذ بضع سنوات، رحل طالباً من الحي الذي عاش فيه ليرجع إليه بمنصب الطبيب المحترم الذي ترمُقه الأعين بالتوقير والإعجاب الذي لا يوهب إلا لمن كان ذا مقام عالي.
فتح عيادته وارتدى معطفه الأبيض واستقبل مرضاه وسط أهل الحي، إنهم بحال البسطاء الذين ينطق حالهم بذلك، ويلوح في وجوههم الضيق من حياة صعبة، وسرعان ما راح نبأ العيادة الجديدة يفوح في الأفق كالخبر السعيد ينشر السعادة ويهلل الوجوه بالبِشر.
يخطو خطوات وئيدة وقامة رصينة ووقفة واثقة، يرفل بجسمه النحيل وقصره في بدلة رمادية وقميص أبيض مربوط الياقة بقفل محكم، تميزه النظرة الحادة التي تبزغ من تحت نظارات صغيرة وفكين بارزين، يحافظ على تسريحته المحببة بأن يسدل طرف قصّتهِ إلى الشمال بأناقة، يدخل حجرة العيادة فيجد أمامه الممرض عبد الرؤوف في انتظاره، يهتم بالحالات الطارئة ويقبل نحوهم بالإسعافات الأولية وينظم المواعيد ويدوّن الأسماء ويفعل كل هذا بمهارة وخفة تناقض تماماً ضخامة جثته الممتدة طولاً وعرضاً، وما إن يلمح مقدَم الطبيب من بعيد حتى يهِب نحوه بالسماعة الطبية والمعطف الأبيض الذي ما إن يرتديه حتى يذوب غائصاً فيه، وبسرعة لبسه ولف السماعة حول عنقه وبحركة إيماء واحدة من رأسه أشار له بإدخال المرضى.
كان المكان منذ فتحه لا تنقطع عنه الجلبة المتواصلة من ساعة الصباح الأولى حتى المساء فيحفل جو العيادة برائحة المرض والدواء وهمسات المرضى ويستحكم على أعصابهم القلق وهم ينتظرون أدوراهم كمن ينتظر شيئاً خطراً على وشك أن يحدث، يلجُ السيد وحيد مكتبه ويجلس على كرسيه من وراء المكتب يؤدي واجبه بعناية وتركيز لا يجب أن يقطعه شيء مهما كان به من أهمية ثم يلقي نظرة عجلة على جدول مواعيده فيحترم وقته ويقوم بكل موعد في أوانه دون تأجيل، لقد ألفَ حياته الجديدة فانطبعت في ذاته فيكرر جل ما يقوم به في اليوم الواحد ليعيده في اليوم الثاني وكأنّ الأيام صارت تشبه بعضها وبات يتصرف بآلية مطلقة بذهن شارد ويد تعمل كل دقيقة فلا تتوقف، ولم ينسى أن ينعم في خضم حياته بحياة أسرية ناجحة فكان له زوجة رقيقة وولدين، وعلى رغم ذلك الانشغال الدائم وجدول المواعيد المكتظ إلا أنه جعل له يوماً من أيام الأسبوع للراحة رفقة أفراد أسرته وكلبه روكي الذي يحبه بشدة، وفي لحظة ما وجد الزمن يعبر به بعيداً ويركض به بسرعة كالبرق دون أن يمهله وقتاً يستلقط فيه أنفاسه.
إنه يدرك أنّ العمل كطبيب كان حلمه بالأمس الذي بات اليوم حقيقة فكيف للحلم أن ينقلب كابوساً فجأة، وهو يعمل أيضاً لأنّ العمل ضرورة قصوى تنقذ الانسان من أن يضيع في دائرة الفراغ فمن أين له بهذا الشعور الغريب عنه، وما من شيء ينقصه ليعيش حياة سعيدة يهنئ بها باله وتهمد خواطره المضطربة، وتذكر ذكريات من الصبا منذ كان طالباً في كلية الطب ينظر للحياة بعين المندهش صاحب الرغبة النهمة في الانطلاق والاجتهاد والعمل، يستعد للحظة الدافئة قرب الشرفة المفتوحة والتي تُطل على الجامعة وبداخلها يسكن حلمه ينتظره أن يخرج للحياة، وللضحكة الصادقة التي تخرج من القلب لنكتة يلقيها صديقه البدين المرح ونكاته التي لا تنفذ، ولكتابٍ قرأه فلامسَ بجماله وكلماته قلبه يذكره فيبتسم كل مرة.
الآن بات عقله يرن برنين مزعج مثقل بأشياء غريبة وأفكار كثيرة يشعر بها وحده ولا يستطيع أن يحاور فيها شخصاً ويقحمه فيها، إنه قلق مفاجئ مجهول لا يعلم لما حل به فجأة وسيطر على عقله وتفكيره ما جعله يشعر وكأنه يخوض غمار معركة قوية سيكون هو المقاوم الوحيد الذي يعمل بقوته لينجو منها، وقد انقلبت الحماسة إلى الضجر الذي ينطبع على كل شيء حتى الأشياء القريبة من قلبه والتي يحبها واللحظات التي كانت تجعله يشعر بالسعادة وراحة النفس فيطال الأمر أن يرافقه حتى النوم، أنفاسه متألمة وتؤرق أعصابه وتطرد النوم من عينيه ولو كان غاية في التعب وبحاجة إلى نوم عميق، كيف تنقلب الأدوار بين الطبيب والمريض فيقف هو عاجزاً على أن يحدد لنفسه الدواء كما يفعل مع مرضاه، وترغب نفسه إلى الهمود والسكون ويصير حلماً بأن يحظى بساعة نوم هادئة.

لم يعد يطلب غير الطمأنينة في لحظة ما وأن تمتد إليه يد فتُربت على كتفه ويؤنسه حوار طويل يهدئ من روعه القلق، وعكست له المرآة زغباً من الشعر الأبيض يزحف في هدوء نحو جانبي رأسه وكبر ولديه في غمرة ثورته وقِلّت مسؤوليته نحوهما وقرر أخيراً الابتعاد، أن يبتعد عن كل شيء لفترة غير محددة فيهرب بعيداً عن حياته الراهنة ويترك كل شيء، عيادته ورائه وأسرته وحيّه.
وأتت اجازة الصيف في أوانها فانطلق في أيامها الأولى يحزم أمتعته للسفر إلى الريف، حيث يقع البيت القديم ومنبت الطفولة والخطوات الأولى وصفاء الحياة البريئة بين زرقة السماء وخضرة الأرض ونقاوة الهواء، ومن نافذة القطار أبصر دنيا جديدة لا صلة لها بحياته الراهنة التي ودّعها منذ لحظات، لوحات بديعة تومض من بعيد تعكس الحرية وسحر الألوان ووهج الحياة، ولمح في الطريق المدرسة التي تعلم فيها سنواته الأولى وشهدت خطواته وضحكاته، وذكرياته وأحلامه وسعادته وصفاء نفسه، ودخل البيت القديم وجال بين جنباته يحمل حنينه الدفين ويتذكر سعادته المفقودة ويود أن يعثر بها في إحدى هاته الحجرات أو في الطبيعة الخضراء الممتدة خارجاً فينتشلها ويظفر بها فلا يفقدها أبداً، وفي حجرة والده عثر على صورة قديمة له من أيام المدرسة، تأمل ملامحه ملياً وتذكر الصف الأول وأصدقائه وحينما سأله المدرس ما هو حلمك حين تكبُر فقال له بفخر سأصير رحالة أتجوّل أمكنة العالم وجباله وأغوص في عُمق الطبيعة فضحك المدرس ولكن والده صاح في وجهه يأمره بأن يكون طبيباً ولا شيء غيره فحقق حلم والده ونسي أن يحقق حلمه وكأنه عاش في حلم والده وحياته التي اختارها له بنفسه فرضي قانعاً بالعذاب والألم ونادى فيما يُشبه الندم المتأخر، سأصير رحالة..


أضف تعليق