هشام أجران – المغرب
كانتْ أمِّي تخبرني بأنّ الأبيضَ يليقُ بي، لكنني عشتُ حياتي وأنا أتشاءم من اللون الأبيض، ومِنَ المُؤكَّدِ أنني سأظلُّ كذلك… أذكر جلبابي الأبيض الأنيق وأنا ممدد على طاولة الختان، وصرخاتي تشق الأرجاء… تحضرني صورة أمي المتسربلة في رداء أبيض ودموعها تبلل وجنتيها ورداءَها حزناً على رحيل أبي، ولن يُمحي من ذاكرتي مشهد أمي وهي ملفوفة في كفن أبيض ودموعي تحفر أخاذيذ من القهر والألم في روحي…
فتى مفعم بالشقاوة يقف بجانبي، يرمقني بنظرة شامتة ويصرخ في وجهي بسخرية مريرة:
– كيف حالك أيها الأبيض؟
يغادر وضحكاته يتردد صداها في المكان… امرأة تتوقف أمامي، بالكاد تظهر عيونها من وراء نقاب أسود يغطي وجهها، تمتمتْ بكلمات لم أسمعها، ثم غادرت، لكني احتفظت في ذهني بنظرتها الأخيرة، نظرة شفقة وألم وعجز… رجل يبدو عليه الوقار، يترجل من سيارته الفخمة ويقترب مني، شعور سيء بالخوف يجتاحني، فليست لي ذكريات جميلة مع أمثال هذا الرجل، وقف أمامي… اكتفيتُ بتأمل حذائه الأسود اللامع، ولستُ أدري لِمَ شَعرتُ ببُرودةٍ تسري في قدميَّ الحافيتين… مط شفتيه اشمئزازاً وغادر بخطوات واثقة، مُخلفاً وراءه رائحة عطر غال أنعشت روحي المحطمة، وأنستني بعضاً من خليط الروائح الذي سكن جوفي، رائحة التراب والعرق والاسفلت وخبز فاسد…
حركتُ أطرافي بصعوبة، وتحمَّلتُ الألم… كان السقوط هذه المرة قوياً لدرجة أنني سمعتُ صوت طقطقة في عظامي… فقد تعمّد ذلك اللعين أن يزيد من سرعة الشاحنة ليخلخل كل حساباتي…
مسحتُ التراب عن وجهي، واكتشفتُ أنَّ يديَّ ملطختان بالمسحوق الأبيض، ولعل وجهي تحوّل إلى نسخة مشوهة من وجه مهرج… تحاملتُ على نفسي وعلى الألم، وبدأتُ أجمع المسحوق وأضعه في الكيس المثقوب، وقد تراءى أمامي طيف أختي في مكانها المعتاد، تلفح النار وجهها أمام موقد طيني…استطعت الوقوف أخيراً، وفي أعماقي تتردد آهات وصدى أنين… جررتُ قدمي ومعهما الكيس الأبيض… شاب ثائر يصرخ في وجه المارة بغضب:
– لماذا لم تساعدوه؟
تجيبه عجوز، احتلت ركناً لبيع النعناع، بلا مبالاة:
– إنه فتى بائس، اعتاد سرقةَ أكياس الطحين من الشاحنات… يستحق ما وقع له… !!


أضف تعليق