سارة خالد – الجزائر

عند المقعد الأخير من القطار الذي أخذ استعدادهُ للانطلاق، كانت كارْلا تجلس وتوجهُ بصرها مباشرة نحو النافذة المفتوحة التي سمحت بانسحاب هباتٍ من الرياح الخفيفة من الخارج وهي تحاول أن تركّز بعينيها بشيء من التأمل والسكون على المناظر التي بدأ القطار يتركهَا خلفهُ وهو ينطلق في سرعته التي تجعلُ كل شيء حولها في حالة ركضٍ جنونية حتى تختفي من أمامها، إنها حالةُ الهدوء التي يغيب فيها ذهنها لينصرف بعيداً عن كل ما يحيط به فيكون حراً ينطلق كيف شاء له فلا تكترث لأي شيء يحدث حولها مهما كان له من أهمية ولو حدثت أمام عينيها أكثرُ الأشياء غرابةً.

إنها عادتها منذ زمن قديم والتي تصرُّ عليها فلا تغيرها، الشيء الذي يجعلها تنشغل بنفسها دون أن تنظر في وجه أحد أو ترغب في الحديث مع أحد، شابة في منتصف العشرينات من العمر، يمتدُ جسدها بطول ونحافة واضحة، ولكنه يبقى على رغم هذا محلَّ غرابة تشدُ الأعين بالدهشة فتلقي الألسنة أسئلة استغراب لا تكف لتُنقص من قيمتها وتُصغر من شأنها، بوجه بارزةٍ عظامهُ وعينين صغيرتين وفم رقيق بأسنان كبيرة، تجد نفسها في حالة الغريب الذي لا يشبه أحداً من حوله، فتكتفي بأن تكون هادئة تلتزم الصمت الطويل بلا ملل وتتجنب النظرات العابرة من أي شخص التي قد تنتهي بعبارات سخرية  تحاول أن تبتلعها دون رد، وقد ابتلعت الكثير من الكلمات المُتكومة فوق بعضها في داخلها حتى بات الأمر أقرب إلى العادة، فاكتفت بأن تكون وحيدة لا أحد يدنو من حدود حياتها الجافة ولا يبدرُ منها شيء غيرُ النظرات المتعبة والوجه الحزين والقلب الرقيق ولو أمكنها أن تستغني عن الكلام فتستبدله بلغة إشارة موجزة تكون فيها الكلمات عبارة عن إيماءات وحركات لفعلتْ.

كانت كل ثيابها تشترك في اللون الأبيض الذي كان أقرب الألوان إلى قلبها فتكره الألوان جميعاً وتتجنبها وتكتفي بالثياب الفضفاضة التي يذوب فيها جسدها النحيل لتختفي تفاصيلهُ، وتنجذب إلى الأماكن التي تمتد بمساحة شاسعة وتكثر فيها الخضرة والهواء فتشعر أنها تضيع بوحدتها وتتوه بخيالها هناك فيما تبقى كالجثة الهامدة.

إنَّ ذكرياتٍ كثيرة تنفلت من قبضة الماضي القريب لتطاردها وتصنع برأسها ضجة عالية لم يكن ليسمعها أحد غيرها على رغم تلك الصور التي تمثل لحظاتٍ من السعادة والسرور التي تخللت حياتها وقد كانت في وسط أسرتها الصغيرة التي شملتها بحب كبير من والديها فهي وحيدتهما التي أطلّت لتُبدد من ظلمة ليلهما الذي طال لسنوات من الانتظار فجعل من مولدها خبراً قلبَ حياتهما وأضاء عليهما وحدتهما.

كانت أمها السيدة ريما مصممة أزياء وخياطة ماهرة صنعت اسماً لها جعلها تشتهر بتصاميمها وأفكارها المبتدعة التي لا تجاريها فيها يدُ مصمم مهما كان، فتستقبل في صالون الخياطة آلاف الطلبات من السيدات من داخل المدينة وخارجها، ويكتظ صالونها بمعروضات لفساتين وأثواب تعمل على خياطتها بنفسها دون مساعدة من أحد، وتنجز كل ما يُطلب منها من التصاميم التي تقيسها على أجساد العارضات فتُجد ببراعة على إتقانها وإبداعها على رغم جسدها الممتلئ الذي لم يكن ليعيق خفة حركتها التي يتطلبها عملها النشيط، واتسعت شهرتها لتصنع منها مصممة ذائعة الصيت بثروة طائلة، وكان زوجها السيد سليم يهمُّ في عمله المحبب في الحديقة الملتصقة بالبيت الكبير، ينفق جلَّ وقته وسط العناية بالزرع والحفاظ على الاخضرار والأزهار وغرس أي نبتة من شأنها أن تزيد من جمال حدود هذه الحديقة التي ارتبط بها منذ وقت طويل ويتخذ وسطها مكاناً للجلوس والاسترخاء والتأمل، وقد انطبع هذا الحب لدى كارلا  التي كانت تحب هذه الجلسة مع والدها فترافقه ويجلسان معاً لساعات وسط الخضرة التي قال لها يوماً أنه يتمنى أن يكون آخر شيء يقوم بفعله هو أن يغرس نبتة أخيرة بيديه، فكانت ترى حدود هذه الحديقة الغناء بخضرتها وعبق روائحها الممزوجة بأنواع المغروسات أشبه بالجنة التي يستغني صاحبها في سبيلها عن المسرات جميعاً بقلبٍ سعيد، وظلّت تحافظ على أن تقضي ساعاتٍ طويلة من اليوم في هذا المكان دون أن تشعر بالملل فلم يكن يستهويها في الحياة شيء يستحق أن تعيش لأجله فيُجمل الحياة في نظر عينيها الحزينتين وقلبها الذي تجمد في مكانه فلم يعد يزهر مهما تعاقبت عليه الفصول.

وجدت في عزلتها التي امتدَّت إليها في سن مبكرة حصناً آمناً يقيها من تلك النظرات الشرسة والكلمات الحادة التي تتعجب لشكلها وتنبذه لحد النفور منها فلم يكن لها أي أصدقاء أو أشخاص مقربين، وقد تفاقمت تلك الفجوة التي تسكنها من الفراغ بعد موت والدها الذي ترك مملكته الخضراء من خلفه ورحل ولم تكن الحياة لتمهلها وقتاً كافياً للصدمة حتى لحقت به السيدة ريما بتأثرها البالغ بفقدانه المفاجئ تاركة خلفها إرثاً من المجد والثروة التي جدّت في صنعها لسنوات.

وجدت كارلا نفسها وحيدة من كل جانب في مكان على رغم حبها له إلا أن شعور الغربة يحتدُّ في داخلها ليلازمها ويفقدها الرغبة في الصراع الدائم وجهاً لوجه مع الذكريات التي تلفُّها من كل ناحية، الشقة التي تحبها وكبرت في جوانبها والحديقة التي ضمّت قلقها وخوفها لتمتصهُ وصالون الخياطة الذي كلما زارته لمحت شبح أمها واقفاً هناك تتكلم وتضحك وتعمل فلم تستطع أن تمكثَ دقيقة أخرى داخلهُ، كانت تتأمل كل هذه الأمكنة التي غاب فيها شبح والديها بعقل تائه ونظرة ذاهلة، تحمل حزنها في قلبها ولم تكن تجرؤُ على أن تُظهر منه شيئاً لأحد وكأنها قد تعوّدت على الآلام جميعاً فصارت تُجيد إخفائها ببراعة، فهي لا تُجيد البكاء ولا تحبه ولكنها تبكي من الداخل وبكاء القلب أقوى من بكاء العين كما كان يقول والدها دائماً.

أخذت قرارها الذي فكرت بشأنه كثيراً وهو أن تختفي، تختفي بعيداً من هنا، لا يهم أين، فلطالما اجتاحتها رغبةٌ شديدة في الاختفاء، أن تختفي عن المدينة والجيران والوجوه التي تعرفها والألسنة التي تحفظ عباراتها المؤذية والأعين التي تعرف معاني نظراتها وأن تبدأ حياة جديدة في مكان ما، المهم أن تبدأ من جديد، المهم أن تبتعد عن كل شيء..

وفي القطار تحركت فتاة من مكانها لتستبدلهُ وتجلس في المقعد المقابل لكارلا وهي تُحدث نفسها بصوت مرتفع بطريقة من يريد أن يُسمع من يقابلهُ فيما كانت كارلا تطمئن في جلستها بمعزل عن كل صوت أو كلمة تدوي خارج الفقاعة التي تسبح داخلها، لمحت كارلا الفتاة بعدم اكتراثٍ وصمت، ثم رجعت لصورتها الغامضة التي تنغلق على الكثير من الإبهام الذي يدفع بالفضول لمعرفتها، وحاولت الفتاة أن تقترب منها فتتعرف عليها أكثر وراحت تُحدثها عن نفسها وحياتها وسفرها الذي أجبرتها ظروفها عليه لتبحث لها عن عمل في مكان آخر، فانجذبت كارلا لطريقتها في الكلام التي جعلتها تُصغي لها على رغم كثرة أحاديثها المتواصلة بلهجة متسارعة وخفيفة فتبادلت معها الأحاديث وسرعان ما تحولت هذه الجلسة إلى ضحك ومزح وتفاهم جعلهما تتفقان على النزول في الفندق ذاته والغرفة ذاتها.

بعد أيام قليلة وفي ذات المساء، دق باب الغرفة دقات متتابعة ففتحت كارلا لتجد أمامها إحدى العاملين بالفندق يحملُ بين يديه هدية كبيرة وباقةً من الورود الحمراء مرفقة برسالة، فحملتها إلى الداخل وقبل أن تهمَّ بفتحها وقفت أمامها صديقتها رندا بعينين ذاهلتين من المنظر الذي أمامها وسألتها بعجب:

لِمن كل هذه الورود والهدايا؟

أمسكت كارلا الرسالة وقرأتها بنظرةٍ خاطفة لتقول:

إنّها لي.

وعادت رندا تسأل:

ربما أخطأ أحدهم في العنوان..

فقالت كارلا:

إنها ليست المرة الأولى، منذ فترة إقامتنا في الفندق وأنا أتلقى كميات لا تحصى من الهدايا والورود والرسائل من معجب سري يقول كلمات رقيقة يُعبر فيها عن إعجابه، لا أعرف كيف عرف اسمي ولا حتى رقم الغرفة ولماذا يلاحقني بهذا الإصرار العنيد، إنه لا يريد أن يقول من هو، أمر عجيب ومقلق حقاً..

ورفعت بصرها إلى صديقتها ترقُب عليها أثر كلامها والتي اكتفت بالصمت دون أن تقول كلمة واحدة فيما استقرّت عينيها الحادتين بمشاعر حقد كثيرة كادت تفيض منهما لكنها حاولت بجهد مداراتها وأمسكت الرسالة لتلقي عليها نظرة وكأنها تتوكد بعينيها حتى تُصدق ما سمعت ولمحت في نهاية الأسطر رقم هاتف المعجب فقيّدتهُ في ذاكرتها، وحين سنحت لها الفرصة ووجدت نفسها لوحدها في الغرفة أخذت هاتفها وطلبت الرقم وهي تتطلع حولها لتطغى عليها موجة من الغيرة التي تخفيها في صدرها وفور ما رُفع الهاتف حتى قالت له بلهجة عصبية:

اسمع، أعتقد أنك رجل غبي تماماً، هل تدرك حقاً ما تفعل؟ هل تستوعب حجم الحماقة التي تضع نفسك فيها كيف ترسل كل هذه الهدايا لكارلا، هل رأيتها أصلاً.. هل تعرفها حتى تحمل لها كل هذا الإعجاب، إنها لا تستحق كل هذا.. إنها لا تستحق شيئاً من الأساس.. فهي ليست بفتاة إنها تحمل وجهاً قبيحاً لا يستطيع المرء التطلع إليه لأكثر من ثانية واحدة، فكيف تُعبر لها عن إعجابك، إنها أشبه بتمثال عملاق لا يملك قلباً أو مشاعر،لا أكاد أتخيل فكرة أنها تملك قلباً، في المرة القادمة فكّر جيداً قبل أن تُقدم على أي خطوة، عُد إلى صوابكَ أيها الغبي..

وأغلقت كارلا سماعة هاتفها بعدما سمعت كل هاته الكلمات التي وجهتها صديقتها إلى المعجب المتخيل الذي صنعته هي بنفسها، دون أن ترد لتقول لها شيئاً، كانت عباراتها قاسية عبرت إلى قلبها سريعاً فآلمته، وقد اكتفتْ بأن تصمت دون أن يبدُر على ملامح وجهها شيء من العجب والاستغراب وكأنها قد توقعت حقيقة هذه المشاعر منذ اللحظة الأولى وانتظرت أن تنفجر لتُعلن في أي لحظة عابرة، ودون أن تفكر جمعت أغراضها في حقيبتها ثانية وغادرت بعيداً.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق