إسراء سلامة
أكرّرُني، نعم، أكرّرُني كأنّي لا أُريدُ النَّجاة، كأنّي وجدتُ في التّكرارِ مأوًى، وفي المأوَى قفصاً ذهبيًّا يلمَعُ كُلَّما خبتْ فيّ الرَغبةُ بالحياةِ.
كُلَّ صباحٍ، أستفيقُ على الفكرةِ ذاتِها، كأنّ الزّمنَ عالقٌ في جيبٍ قديمٍ لا يُفْتَح، كأنّ السّاعاتِ جميعَها تآمَرَتْ على أن تكونَ عَقَاربُها عمياءَ، لم يتغيّر شيءٌ، لا الأصواتُ، لا الضّوءُ، لا تفاصيلُ السّقفِ، ولا حتى ظلّي حينَ يَقْفزُ من الفِراشِ قَبْلي.
الوجوهُ نَفْسُها، الأماكنُ نفسُها، الأحاديثُ ذاتُها وإنْ تَنَوَّعَتِ الكلماتُ، وَحدَهُ داخلي، ذلك المكانُ الهَشُّ، يَبدو أنَّهُ يَتَفَتَّتُ بصمتٍ.
الأماكنُ تَحفَظُ مَلامِحي أكثرَ من وَجهي، الجدرانُ تَعرِفُ انحناءاتي، خُطواتي المُتثاقلة، نَظراتي حينَ أنسى أن أرفعَ رأسي، المرآةُ، حتى المرآةُ، باتَتْ تَتَجاهَلُني.
والساعةُ؟ لَمْ تَعُدْ تُشيرُ إلى الزّمنِ، صارتْ تُشيرُ إلى الدّوَرانِ، إلى تَكرارِ ما كان وكأنّهُ قَدَرٌ لا يُستأنَفُ، إلى أنفاسٍ مُقيّدةٍ تَسيرُ على ذاتِ السَّطرِ دونَ فاصِلٍ أو نُقطةٍ.
أفتَحُ النّافذة، لا لأستَنشقَ هواءً جديداً، بلْ لأنّ الطّقوسَ يجبُ أن تُؤدّى، ولو بلا إيمانٍ.
لا أنتَظِرُ شيئاً، لا طيراً يَمُرُّ، لا صوتاً يُناديني من الشّارع، لا غيمةً تُبدّدُ هذا الاتّساعَ الرماديّ في صَدري.
أَصُبُّ قهوتي بنفسِ اليدِ المُرتَجِفَةِ، التي لم تزلْ ترتعِشُ رغمَ اعتيادها الكوبَ ذاتَهُ، والكرسيّ ذاتَهُ، والسّكونَ ذاتَهُ.
نفسُ التَّوقيتِ، نَفسُ الرّشفةِ الأولى، نفسُ الغِيابِ الذي يَملأ المكانَ كأنّهُ ضَيفٌ دائمٌ.
أتمشّى داخلَ رأسي، أجُرّ أفكاري الميّتة من يومٍ إلى آخر، كأنّي أمشي في مَمرٍ ضيّقٍ لا نوافذَ له، ولا نِهايَةَ.
أرتَطِمُ بالذّكرياتِ ذاتِها، بألمٍ مألوفٍ كأنّهُ صديقٌ قديمٌ، بأسماءٍ لم تَعُدْ تَخصُّني، بصُوَرٍ باهِتَةٍ كنتُ فيها أكثرَ حياة، أو أكثرَ وَهْماً.
كأنّني أبحثُ عن نَدبةٍ أعمقَ، عن جُرحٍ جديدٍ لم أعتَدْهُ بعدُ، لأنّ المألوفَ من الألمِ لم يَعُدْ يؤلِمُ بما يكفي.
أكرّرُني، لا لأنّي أحبُّ ما أفعَل، بل لأنّي فقدتُ خارِطةَ الخُروجِ من نَفسي.
صِرتُ أعيشُ كما تَعيشُ الأشياءُ المُهْمَلةُ في زَوايا البيوتِ، لها مكانٌ، لكن لا وظيفةَ، لا ضرورةَ، لا أحدَ يفتقِدُها إن غابَتْ.
الوُجوهُ التي سأقابِلها؟ أعرِفُها، نَظراتُها، تَعابيرُها المَحفوظةُ، أسئِلتُها التي لا تَنتظِرُ جواباً،
الكلماتُ التي سأقولُها؟ أعرفُها أيضاً، مَزيجٌ من مُجامَلاتٍ مُرَتّبة، وحديثٍ صغيرٍ بلا حرارة، كأنّي ألوّنُ صَمتي كي لا يَبدو حادًّا أكثرَ من اللازمِ.
والضّحكةُ؟ تِلكَ الضّحكةُ التي أقتَرِضُها، أستَعيرُها كُلّما شَعَرتُ أنّ الصّمتَ سينكَشِفُ، أنّني سأبدو على حقيقتي: ثقيلٌ، مكسورٌ، وغارقٌ حتى الرّقبةِ في لا مُبالاةٍ مُوجِعة.
وأعودُ.
أعودُ إلى الغُرفةِ، إلى الحائطِ الذي لم يَسألني يوماً: لماذا أعودُ؟
إلى الكرسيّ الذي صارَ يَعرِفُ انحناءَ ظَهرِي أكثرَ من أيّ كتفٍ مَرّ بي.
أجلسُ، لا لأستَريح، بل لأكمِلَ الدّوَران، لأنّ ما يَبدَأ بي لا يَنتَهي، لأنّ اليومَ لا يَختلِفُ عن الأمسِ، ولا عن الغَدِ، ولا عن ما لن أعيشَهُ.
أضعُ رأسي على الوسادَةِ، لا لأنامَ، بل لأصغِي إلى الصَّمتِ وهو يَنهَشُ رأسي، لأراقبَ السّقفَ وهو يُلوّحُ لي كأنّهُ يريدُ أن يقولَ شيئاً، ثم يَصمت.
كلّ شيءٍ يَصمت.
حتى الحُزنُ، حتى التّعبُ، حتى الدّموعُ التي كانتْ تسعِفُني أحياناً، صارتْ تَتَثاءَبُ في وجهي.
أكرّرُني كأنّي لا أريدُ النّجاةَ، كأنّ في الغَرَقِ شيئاً يُشبهُ الطمأنينةَ.
كأنّني وجدتُ في الغَرَقِ عادةً، وفي العادةِ عَزاءً، وفي العَزاءِ ما يُقنِعُني أن أكمِلَ.
ليسَ لأنّي أملكُ ما أتمسّكُ به، بل لأنّي اعتَدتُ أن أسقُطَ ببطءٍ، دونَ ضجيجٍ، دونَ مُحاولةٍ، دونَ يدٍ تَمتدّ، أو حتى وَهمٍ.
أكرّرُني، وأعرِفُ أنني حينَ أفعَلُ ذلك، لا أعيشُ.
أنا فقط… أستمِرُّ.


أضف تعليق