سارة خالد – الجزائر
لم يكن دُقْرُم يمتلك من الوقت الكافي لنفسه ليمنحها شيئاً من الراحة، فيسترجع الطاقة لجسمه الضئيل. فقد كان يعمل بائعاً للجورنال، يبدأ عمله متجولاً بأكوام من الجرائد يُحكم مسكها على ذراعه، ويُطلق العنان لصوته القوي صباحاً ومساءً، واقفاً في منتصف الطرقات أو بين زمرات الناس، يقرأ العناوين الملفتة لجذب الزبائن.
كان يعمل بجهدٍ متواصل دون أن يُلقي بالاً لما يعتريه من إعياء، فلا ينام إلا ساعاتٍ قليلة بحذائه على الكنبة، ليصحو مبكراً متمسكاً بعمله خشية أن يفقده، فيُعاد إلى دائرة الفقر والتشرد.
عصبيٌ، كثير الكلام، سريع الغضب، يدخل في مشادات مع الناس لأبسط الأسباب، مما جعل الجميع يتحاشونه.
الجرائد كانت محور حياته، يحتفظ بها في كل زاوية من بيته: فوق الخزانة، تحت السرير، وحتى في الزوايا. لا يفوّت عدداً دون قراءته، وكان مولعاً بالأخبار المتعلقة بالأناقة والموضة، يتخيّل نفسه نجماً لا ينقصه سوى بدلة أنيقة تُبرز وسامته.
جرب حظه في المسابقات التي تعلن عنها الجرائد، وحافظ على مدخوله القليل بتدبير صارم.
وجهه شاحب، ملامحه ناتئة، وبشرة جافة. وعلى حاجبه الأيسر شامةٌ كبيرة سببت له الكثير من الحرج، رغم أنه قرأ مرة في صفحة الأبراج أنها علامة على الثراء! لكنه لم يقتنع بذلك.
يعيش منذ فترة مع أخته، التي عادت إليه بعد اختفاء زوجها في ظروف غامضة.
في صباح ذلك اليوم، خرج دُقرم كعادته، يرتدي سترةً واسعة وسروالاً قصيراً، يُظهر جواربه الصفراء وحذاءه اللامع، الذي يعتني به بعناية فائقة. وعلى رأسه طاقية صوفية من صنع أخته، وذراعه الأيمن ممتلئ بالجرائد.
كان يخطو بثقة، معتزاً بنفسه، غير آبهٍ بالسخرية أو الهمسات من المارة، يذكّر نفسه دوماً بالرحلة التي تنتظره غداً، ويزداد حماساً.
في منتصف النهار، عاد ليجد أنّ أخته أعدّت له زاده لسفر طويل إلى البلدة المجاورة، حيث يقيم أخوه سي حميد. لم يكن يحب السفر، لكن زيارته هذه ضرورية. فقد سمع أنّ ابن أخيه يحاول أن يرث والده وهو على قيد الحياة!
كان هذا الخبر كافياً ليُشعل قلب دُقرم غضباً، فانطلق نحو المحطة، يحمل جورناله ملفوفاً بداخله وجبة بسيطة من الجبن والبيض وبعض الخبز، وينتظر القطار.
جلس في المقعد الأخير، وغلبه النعاس سريعاً، فاستسلم له، دون أن يدرك ما الذي ينتظره عند الوصول…


أضف تعليق