إسراء سلامة
عَلى هذِهِ الأرض
ما يُشبِهُ الحكاياتِ الأُولى،
وما يُشبِهُ النِّهاياتِ المُؤَجَّلة،
ما يُشبِهُ نَشيداً على شِفاهِ الأُمَّهات،
وما يُشبِهُ دَمعَةً ابتَسَمَتْ كَي لا تُهزَمْ…
عَلى هذِهِ الأرض… غزّة.
غزّةُ التي حينَ تَنهَضْ،
يَتَراجَعُ البَحرُ خُطوَةً إلى الوراء،
ويَغدو المدى مِرآةً للحَنين.
غزّةُ التي تُحبُّ،
وتُحاصَرُ،
وتُقصَفُ،
وتُنبِتُ مِنَ الرَّمادِ سُنبُلَة…
غزّة…
طِفلَةٌ تُمسِكُ بِحَقيبَةِ المَدرَسَةِ
في اليومِ الثّالِثِ بَعدَ القَصف،
وتَسأَلُ الحُطام:
“هَل ما زالَ لي مَقعدٌ في الصفِّ الأوَّل؟”

امرأةٌ تَخيطُ جُرحَها بِإِبرَةِ صَبر،
تَعُدُّ الأرغِفَةَ على عَدَدِ اليَتامى،
وتُوشوِشُ الليلَ بِاسمِ مَن رَحَلوا:
“ناموا، لكِنَّ الأرضَ لم تَنمْ”…
رَجُلٌ يَمشي على قَدمٍ واحِدة،
ويقولُ للأُفُقِ:
“أنا نِصفُ جَسَد،
لكنَّ قَلبي… لم يُقسَمْ”
عَلى هذِهِ الأرض
ما يَستَحقُّ البَقاءْ:
وَجهُ الطِّفلِ في المُخيَّمِ
حينَ يَصرُخُ مِن تَحتِ الرُّكام:
“أنا هُنا!”
وصَوتُ المُؤذِّنِ
حينَ يُرتِّلُ اسماً مِنَ الشُّهَداء،
كَأنَّهُ يَدعو للوِلادَة…
امرأةٌ تُخبِّئُ صورةَ ابنِها
تَحتَ الوِسادَة،
وتَقول:
“رُبَّما يَعودُ اللَّيلَةَ… في المنام”
ما يَرفُضُ الموتَ…
رَغْمَ الموتِ،
ما يُشبِهُ الرَّغيفَ حينَ يَتَشقَّقُ جوعاً
لكنَّهُ يَبتَسِمُ شِبَعاً لأخيه…
غزّة…
اسمٌ صَغير،
لكنَّهُ يُربِكُ خَرائِطَ العالَم.
مُربَّعٌ ضَيِّق،
لكنَّهُ يَسَعُ ألفَ وَطن.
حينَ تُقصَفُ السَّماء،
يَرفعُ الفَتى رايَةً مِن قَميصِه،
ويَهتِف:
“هذا عَلَمي!”
وحينَ يَسقُطُ البيت،
تَرتَفِعُ القَصيدَة،
ويُولَدُ شاعِرٌ جَديد
مِن رُكامِ الخَوف…
غزّة…
لا تَشتَكي،
لا تَبكي أَمامَ الكاميرا،
هيَ تَبكي حينَ تُغلَقُ العَينُ،
وتَمسَحُ دُموعَها بكُمِّ ثَوبِها،
وتَخبِزُ الأملَ مَعَ الملح.
لا تَقرَأُ بَياناتِ الأُمم،
هيَ تَقرَأُ أَسماءَ الشُّهَداء
وتُرَدِّدُها نَشيداً يَومياً…
قَبلَ النَّوم.
عَلى هذِهِ الأرضِ
ما يُشبِهُ اليَقين
حينَ يَشكُّ العالَمُ كُلُّه.
ما يُشبِهُ الحُبَّ
حينَ يُزهِرُ وَسطَ الحَرب.
ما يُشبِهُ الحياة
حينَ يُصبِحُ الموتَ عادة…
ما يُعلِّمُنا أن نُقبِّلَ الأرضَ
قَبلَ أن نُودِّعَها.
وأن نَحمِلَها في القَلبِ
كَأنَّها آيَتُنا الأخيرة.

غزّة…
لا تُشبهُ المُدُن.
هي تُشبهُ القَصيدَةَ المُعلَّقَة
بينَ السَّماءِ والمَجزَرة.
تُشبِهُ القَلبَ حينَ يُقسِمُ ألّا يَخون،
تُشبِهُ الجُرحَ… الذي يُزهِر.
غزّةُ…
تَخطُّ أسماءَها بالفَحم،
وتُوقِّعُها بالدَّم،
وتَرسِلُها إلى الغَيمِ رِسالَةً
في قَارورَةٍ مَكسورَة.
تَعرِفُ أنَّ الأرضَ لَيسَت لِلبَيع،
ولا الحُب،
ولا الشُّهَداء،
ولا الحِكايات…
على هذِهِ الأرض
ما يَليقُ بأن نَعيشَ له،
وما يَليقُ بأن نَموتَ له.
ما يَجعَلُ الموتَ خَفيفاً
كَأنَّهُ نَشيدُ العَودَة.
ما يَجعَلُ الحياةَ ثَقيلَة
كَأنَّها انتِظارٌ… في المَنفى.
على هذه الأرض…
غزّة،
التي حين تُذكَر،
يَخجَلُ الصَّمت،
ويَعتَذِرُ العَجز،
وتَستَقيمُ اللُّغة…
على هذه الأرض…
ما يُشبِهُكِ يا غزّة
ولا أَحد… يُشبِهُكِ.


أضف تعليق