وقفتْ عايدة تتوسط حلقة البنات، وراحت تُقسّم الأدوار فيما بينهن، وهن متأهبات لبدء لعبة لامارين المفضلة عندهن، وكل واحدة منهن تحمل بيدها حجراً خاصاً بها، والذي لا يمكن للعبة لامارين أن تكتمل بدونه.

أين اختفتْ عايْدَة.. (الأولى)

*الشّيماء خالد

إنّ الحرارة في فترة المَقيل صيفاً تجعلُ كل شيء يغلي: الرأس، الأمعاء، القدمين، والدم، فيستحيلُ التراب في الشارع جمراً لا يمكن المخاطرة بالمشي فيه، إلا أولاد هذا الحي الصغير، فلا يعني لهم كل هذا شيئاً، ولا يرون أمامهم سوى متعة اللعب، والصياح، والركض.

ويومُ جمعة كهذا لهو فرصةٌ مثالية للخروج واللعب، اللعب لساعات إضافية بلا انقطاع حتى المساء. إنه النعيم بعينه. الشمس تُلقي بلهيبها الحار في كل زاوية وركن من الشارع، عدا ذلك الرصيف الطويل الذي يجتمع فيه الظل، فيهرع من شعرَ بشيء من الإعياء إليه يلتقط أنفاسه قبل البدء في الجولة التالية من اللعب.

وفي نهاية هذا الرصيف اجتمعت بناتُ الحي الصغيرات في حلقة دائرية، دون أن يصدر منهنَّ أي صياح عالٍ، سوى همس خفيف، على عكس الصبيان في الجهة الأخرى الذين ملؤوا الشارع أصواتاً عالية، وكأنهم أفراد من قبيلة الهنود الحمر.

وقفتْ عايدة تتوسط حلقة البنات، وراحت تُقسّم الأدوار فيما بينهن، وهن متأهبات لبدء لعبة لامارين المفضلة عندهن، وكل واحدة منهن تحمل بيدها حجراً خاصاً بها، والذي لا يمكن للعبة لامارين أن تكتمل بدونه. وما إن انتهت عايدة من توزيع الأدوار، وحفظت كل واحدة دورها، حتى أفسحن لها قليلاً من المكان، وانحنت هي حاملةً طبشوراً لترسم على أرضية الرصيف خانات متناسقة بلغ عددها ستًّا. كانت فيها الخطوط متساوية وكأنها استعانت لرسمها بمسطرة كبيرة، جعلتها تبدو بهذا التناسق والتساوي، فيما كان الحماس يتطاير من عيون الواقفات، وهن لا يطقنَ صبراً حتى يشرعن في اللعب.

كانت عايدة بنتاً في العاشرة من العمر، هادئةَ الطبع، قليلة الكلام، وذكيةً لا يفوقها في مادة الحساب أحد، وهذا ما شاع عنها كثيراً، إضافة إلى ملامح وجهها الهادئة بعينيها الضيقتين اللتين تشعان بلون أخضر، وشعرها الذهبي الذي تُبقيه مسرّحاً طيلة الوقت على شكل ضفيرتين طويلتين تلقي بهما إلى الأمام، وفي نهايتهما تربطهما بشرائط ملوّنة تتناسب ولون فستانها. والأهم من كل هذا أنها بطلةُ لعبة لامارين في الحيّ كله، والجميع يعرفون ذلك، أولهم صديقتها وِداد، التي كان قلبها الصغير يتآكل حقداً وهي تشاهد عايدة تقفز من خانة إلى أخرى بكل يُسرٍ، فيما تدفع بالحجر بقدمها برفق دون أن يتجاوز الخط أو يخرج عنه فتخسر.

وقد تساءلت وداد مراراً عن السرّ الذي يجعل عايدة بارعة إلى هذا الحد. ترى، أيُّ سحر تمتلكه قدماها حتى تطاوعانها على الدفع بالحجر إلى الأمام بكل ليونة؟ هل يعقل أن يكون الحجر الذي بيدها سحرياً؟ لا أعتقد، فجميع أحجارنا تكاد تكون متشابهة.

ولكنها لم تكتفِ بالتساؤل فقط، بل حاولت مرّات أن تفعل مثلما تفعل عايدة بالضبط، كيف تقفز، وكيف تقف استعداداً، حتى إنها قبّلت الحجر وهمست له بلطف بعبارة خفية خلسة، ترجو بهذا حظاً جيداً. لكن لم ينجح لها أي من هذا، إلى أن صارحتها عايدة ذات مرة قائلة بهدوء: “إنّ مجرد تقليدي لا يعني أنك ستصبحين مثلي”، لكن هذه العبارة لم تغيّر في نفس وِداد شيئاً، غير أنها زادت بداخلها حقداً مضاعفاً.

وما إن فرغت عايدة من الرسم ونهضت لتعتدل في وقفتها، وهي تفحص بعينيها الخانات وتعدُّ الأرقام المرسومة وسطها، مشيرة بإصبعها فيما تتابعها نظرات البنات المستعدات، حتى تهادى إلى سمعها صوت البقال المقابل، ملوحاً لها أن تحضر إليه:

– عايدة، تعالي لتُوصلي زجاجات الحليب إلى البيت.

وفور ما سمعته، حتى انصرفت إليه وتركت البنات خلفها ينتظرنها. لقد كان يتعين عليها أن تمرَّ على الدكان وتعود بالحليب إلى البيت هذا الصباح، وحال خروجها، كأول شيء تفعله كما اعتادت دائماً، ولكنها اليوم وعلى عكس باقي الأيام فقد نسيت تماماً.

كان دكانُ العم عباس أشهر دكان في الحي، وعلى رغم صغر مساحته، إلا أنه يحتوي تقريباً على كل شيء، ولا يُعقل أن تأتي مستفسراً عن وجود غرض ما ولا تجده. ولحسن حظ عايدة، فقد كان يقع مقابل بيتها، ولا يفصلها عنه سوى بضع خطوات، ولذلك فلم تكن تبتعد عن البيت كثيراً، فإما أن تذهب إلى المدرسة أو إلى دكان العم عباس، أو تلعب عند الرصيف مع صديقاتها.

ولم تجرّب يوماً أن تخطو خارج حدود هذا الشارع الصغير، والذي باتت تحفظ تفاصيله جيداً: تحفظ عدد بيوته، وأسماء ساكنيه، وأولادهم، وعاداتهم، وحواراتهم، حتى أنهم هنا لا يمكن لأحد أن يُخفي عن الآخر شيئاً. فالعمة جميلة تعرف بكل تأكيد أنّ جارتها عبير تخفي تحت منديل رأسها شعراً طويلاً مجعداً لم تنفع معه كل حيل التجميل التي تعرفها أو تسمع عنها، ولهذا السبب فهي دائماً ما تعتذر عن الذهاب إلى حفلات الأعراس.

بينما أم رياض، فقد عرفتْ مؤخراً من ابنها أنّ أم صديقه هشام لا تتوقف عن الشجار مع زوجها بسبب أو بدونه. وفيما يبدو أيضاً أنّ الجميع هنا، كباراً وصغاراً، يعرفون عن قصة السيد جلال، الرجل الثري البخيل، الذي يبدو متسولاً بثيابه القديمة المهترئة، في حين أنه يعمل على جمع الأموال والاحتفاظ بها، حتى إنه لا يتجرأ على أن يصرف ديناراً واحداً، هنا، في هذا الحي، بوسعهم أن يعرفوا متى آخر مرة ضحكت فيها، وما الذي تناولته على فطورك أمس، وإلى من ابتسمتَ في الشارع.

بوسعهم أن يعرفوا كل هذا وأكثر، وكأنهم ألقوا بأعينهم وآذانهم إلى الشارع ودخلوا بيوتهم من دونها.

وبالطبع، فجميعهم يعرفون عايدة، التي أطلق عليها العم عباس لقب بطلة لامارين، فقد اعتاد على مشاهدتها تلعب مقابل دكانه كل يوم ولا تخسر أبداً، والتي كان صوت قفزاتها على الرصيف يدوي في الحي كله.

ولم يكن ليخفى عليهم أيضاً التزامها في العودة إلى البيت قبل جميع أصدقائها، فلا يمكن أن تتأخر دقيقة واحدة، وتقول مرددة لهم دائماً قبل أن يبدأوا اللعب:

– ولكني سأسبقكم إلى البيت قبل أن تبتلع السماء الشمس.

وبالفعل، وما إن تلمح عايدة الشمس قد بدأت تغيب، حتى تُسرع راكضةً، وهي تلوّح لهم بكفها الصغيرة، فيما يبرق وجهها بابتسامةٍ هادئة…

يتبع

*شاعرة وكاتبة جزائرية تكتب في أدب الأطفال واليافعين، وقصص في أدب الرعب والفنتازيا.

الأولى الثانيةالثالثة


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.