سارة خالد – الجزائر
فتح السيد دُقرم عينيه مستيقظاً في موعده المحدد الذي لا يزيد عنه بدقيقةٍ واحدة ولا يتأخر. هزّ رأسه هزةً خفيفة ليطرد عنه آثار التعب والنوم، ثم سرعان ما انسحب دفعةً واحدة من سريره بخفةٍ تليق بجسده النحيف. لفّ حول جسده الروب الحريري الأسود، يحكمه في وسطه، واتجه مباشرة نحو مكانه المعتاد: المرآة الكبيرة المعلّقة على الجدار المقابل. كانت الحجرة بشساعةٍ هائلة، كأنها فضاءٌ رحب بلا حدود، تخضع في مجملها لترتيبٍ أنيقٍ وأثاثٍ فاخر وذوقٍ رفيع، حتى بدت وكأنها لوحةٌ فنيةٌ لقصرٍ ملكيٍّ قديم.
تطلع إلى صورته في المرآة بعينٍ مدققة، تبحث عمّا جدّ على وجهه. رأسٌ مثقلٌ بالفخر، ملامح صارمة، عينان نافذتان، وأنفٌ دقيقٌ أقرب إلى الحدة، وفمٌ جافٌ بأسنانٍ نضيدة متساوية. تنسدل من فوق رأسه خصلاتٌ طويلة من الشعر الأسود المجعّد، بينما تبدو قامته طويلةً مجللةً بالهيبة لمن يلمحه من نظرةٍ خاطفة. كان يحمل جسداً نحيفاً، لشدة ما يصرّ على الاعتناء الصارم بوزنه وصحته، فيكرّس لها من وقته الكثير حتى يحافظ على الوزن المثاليّ في نظره، فلا تهفو نفسه إلى أكثر من عدد الوجبات المحسوبة. باتت نفسه تعاف الطعام على اختلاف ألوانه، وصار يقيم مواعيداً ثابتةً يتقيّد بها دون أن يشذ عنها يوماً واحداً، حتى لو على سبيل الخطأ غير المرغوب. هناك موعدٌ للطعام، وموعدٌ للنوم، وموعدٌ للخروج، وموعدٌ للراحة التي يجدها في جلسةٍ هادئةٍ في إحدى حجرات القصر أو في نزهةٍ متأنيةٍ على طول ممر الحديقة الواسعة ذات المنظر الأخضر المريح.
بعد تأمّلٍ استغرق دقائق معدودة، رفع ذراعه إلى حافة جبهته، يزيح ما يسقط عليها من شعره، ونطق بكلمةٍ مسموعة:
“سأتخلص منها… مهما كان الثمن.”
أعاد الشعر المنسدل إلى مكانه، وتكدّر وجهه للحظات وهو يرى الشامة الواضحة هناك. كان يحبّ أن يخفيها كأنها غير موجودة، يحرص على ألا تظهر، شامةٌ لعينة تضطره إلى إخفاء شيءٍ من وجهه كي لا تتضح، وكأنها تحاول أن تسلب منه شيئاً من وسامته. تمتم:
“لستُ أدري ممّن ورثتُها… لكني سأتخلص منها.”
ابتعد عن المرآة بضع خطوات، راجعاً إلى صمته مرةً أخرى وهو يستسلم لعنان الأفكار التي تثقل رأسه حتى يكاد يترنّح بين يديه. كانت أفكارٌ كثيرةٌ تتزاحم في ذهنه، كأنها ثرثرةٌ لا تكفّ للحظةٍ واحدة.
إنه رجلٌ ثريّ، من أهم أثرياء المدينة، يعتزّ بوجاهته وسمعته التي لا تخفى على أحد. صاحب القصر الأضخم، وأول من يدخل إلى المدينة بآخر صيحات الموضة في الملابس والأحذية، قبل أن يعثر عليها غيره. وهو أيضاً صاحب أكبر شركات صناعة الزجاج، وأخرى للأثاث الفاخر. غير أنّ هذه الميزات القوية تقف أمامها مشكلاتٌ تسدّ طريق سعادته وتمنعها من الاكتمال.
فهو وحيدٌ تماماً، رغم كثرة زيجاته. يتزوج كلما فقد الأمل في أن يحظى بولد، ويظلّ حلمه حيًّا كلما أعلن عن زواجه. بات يقيم حفلاً ضخماً لزفافه كلما قرر الزواج، مرةً كل سنة، دون أن يقترب منه اليأس فيتراجع عن حلمه.
لكن الخوف بداخله يتسلل إليه كلما خلا إلى نفسه، فيكبر ويصير عذاباتٍ تؤرّق خياله وتمنع عنه الراحة. كان القلق يتفشّى في جسده يوماً بعد يوم، حتى صار جزءاً من حياته، كالعدو الملازم له الذي يجابهه بما يملك من قوةٍ ليتغلّب عليه. ولم يكن قلقه إلا من ثروته الكبيرة التي ترعبه كلما تذكّر ألا وريث له يحفظها من بعده.
رنّت في أذنه عبارةٌ حادّةٌ من العرّاف الذي زاره منذ أيام خارج المدينة، وقال له بنبرةٍ واثقة وهو يتفحّص موضع الشامة فوق حاجبه:
“لا تبحث بعيداً… فما تريده أقرب مما تعتقد.”
تاهت أفكاره، يبحث عمّا يقصده العرّاف. لم يكن لوالديه سواه هو وأخته، لكنها ماتت منذ زمنٍ بعيد. هذا ما يعرفه الجميع، وبات كل شيءٍ ملكاً له وحده دون منازع.
أخرج نفسه بقوةٍ من زحمة خواطره، وأخذ نفساً عميقاً يسترد به هدوءه.


أضف تعليق