موتُ غزة رمادٌ تخمد تحته النيران؛ فباطنُ الشعوبِ يغلي، وصبرُ غزة وثباتُها حتى اللحظة... وحيُ إلهام، وجذوةُ غضب، ووقودُ حطبٍ سيؤجّج البركان.

دعوا غزة تموت بسلام…

إيمان عابد

موتُ غزة يتصدّر أخبار العالم منذ شهرٍ أو يزيد، يتفنّنون في حصد الأرواح هناك، بالقتل والحرق والتجويع، بالفتك والإبادات الجماعية.
وما من سامعٍ أو مجيبٍ يوقف العدوان؟!

يساومون أهل غزة على إدخال المساعدات الإنسانية، ليرضخوا تحت شروطهم،
وغزةُ تقف شامخةً كأشجار السنديان… لا تسليمَ ولا انكسار.

دعوا غزة تموت بسلام… ولا تدعوها تموت بصمت.
دكّوا جدارَ الصمت، ارفعوا صوتكم، شاركوا دعمكم،
اخرجوا من قمقمِ عجزكم إلى ساحاتِ الرفض وميادينِ الإباء.
اكشفوا مؤامراتهم، انشروا وحشيتهم،
وأطلقوا كلماتكم رسائلَ حقٍّ وعدلٍ لكلّ العالم، تلامسُ قلوبَ الأحرار.

فإن تعجزْ منّا الكلمةُ؛
فيا وجعَ القلبِ يا غزة! ويا ضيقَ الصدر، وهوانَ الأقدار!
وإن يصمتْ منّا الحرفُ، فما لنا بعدُ من أعذار.

دعوا غزة تموت بسلام… لكن لا تدعوها تموت بصمت.
فموتُها انعتاقٌ لحياةٍ لا فناء بعدها ولا زوال،
وهو بعثٌ ويقظةٌ أشعل فتيلَها الطوفان،
وصحوةُ عزٍّ ستُحيي في ضمير العالم الإنسانيةَ والرحمةَ والوجدان.

وصمتُنا موتٌ لا نشورَ بعده ولا قيام،
ووصمةُ عارٍ سنحمل وزرَها على أكتافنا،
تختمُ بها صفحاتُ الأيام على قلوبنا.

دعوا غزة تموت بسلام… لكن لا تدعوها تموت بصمت.
فإن أُريقت من غزةَ الدماء، فهي سُقيا خيرٍ، وأنهارُ كبرياء، ترتوي بها الأرضُ المعطاء.
وإن تَقَطَّعت فيها الأشلاء، فهي بذورُ خصب، وسنابلُ قمحٍ تنتظرُ موسمَ الحصاد.
وإن تلفظ غزة أنفاسَها الأخيرة، فهي رياحُ تغييرٍ، وريحُ مسكٍ،
ستُزهِر بها أزهارُ الأقحوان، وتورق بعَبيرها أشجارُ الزيتون وبيّاراتُ البرتقال.

دعوا غزة تموت بسلام… لكن لا تدعوها تموت بصمت.
فموتُ غزة جُرحُ الأمةِ النازف، وعويلُ العالمِ الغاضب، ونداءُ البشريةِ الصارخ،
وهو ثباتٌ ونصرٌ ووقوفٌ في وجه الطغيان،
وتقويضٌ لعرى الباطل والإفكِ والبهتان.

وصمتُكم خيبةُ أملٍ تسدُّ علينا وجهَ الشمس،
حتى نغرقَ في أفولِ الذلّ والخنوع،
ونقبعَ خلفَ أسوارِ الهوان.

دعوا غزة تموت بسلام… لكن لا تدعوها تموت بصمت.
لقد سرقوا من غزة… من برّها، من بحرها،
من عيونِ أطفالِها، من قلوبِ أمّهاتِها… الأمنَ والأمان،
سرقوا من غزة كلَّ طعمٍ للحياة، حتى أطيافَ الأحلام.
لكنهم أبداً لم يسرقوا الأمل؛
فقد زرعتْه غزةُ في قلوبِ الأجيال.
لم يسرقوا دربَ الحرية؛
فقد رسمتْه غزةُ بخطوطِ الشمس،
وجمّلته بلونِ الفداء والتضحية والإقدام.

موتُ غزة رمادٌ تخمد تحته النيران؛
فباطنُ الشعوبِ يغلي،
وصبرُ غزة وثباتُها حتى اللحظة…
وحيُ إلهام، وجذوةُ غضب، ووقودُ حطبٍ سيؤجّج البركان.

وصمتُكم جدارٌ لا بدّ أن يهوي،
ستنزِع عنه غزةُ اللجام.
فلِمَ لمْ تدقّوا الجدران؟!*

لقد علّمتْنا غزة:
إن كان للباطل جولة، فللحقّ صولاتٌ وجولات.
علّمتنا أنّ عمرَ الظلامِ قصيرٌ وإن طال،
وأنّ ميلادَ الفجر وشيك، ستبشّر به الأيام.


* المقولة ما ختم به غسان كنفاني روايته (رجال في الشمس)، دلالةً على رفض الاستسلام.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق