من سيرث المعتوه؟ – الجزء الثالث

سارة خالد – الجزائر

خرج من باب حجرته وهو يتبدّى في صورة متكاملة من الأناقة؛ بدلة “سموكن” وعلى شقها الأيمن بروش من الذهب الخالص، وحذاء أسود لامع، أمسك بعصاه المطرزة بحبات ثمينة من الأحجار الكريمة، واضعاً يده الأخرى في مدخل جيبه، متطلّعاً إلى الأمام بنظرة صارمة، وفمه يمسك بالغليون في ثبات دون أن يسحب نفساً واحداً من الدخان؛ يضعه فقط ليضفي لمسة من الوقار المطلوب على مظهره.

نزل بخطوات متمهّلة على السلم الحلزوني الذي يُفضي إلى الدور الثاني، حتى استقر في الصالة الكبيرة، وجلس على السفرة وأدار الجرس الذي أمامه بحركة سريعة، وما كاد يرفع رأسه حتى وجد الخادم العجوز “سهيل” واقفاً خلفه بعباءة سوداء مشدودة الوسط بحزام وطربوش أحمر ونظرة مترقبة.

تطلّع السيد إلى الفطور المجهز أمامه: فنجان من القهوة الساخنة، صحن من الجبنة والعسل، وبيضة، وقبل أن يمدّ يده، التفت نحو الخادم قائلاً بلهجة لا تخلو من يأس:

– ألم أخبرك مراراً ألا تزيد شيئاً واحداً على الفطور مما طلبت؟

وقبل أن ينطق سهيل بكلمة، قاطعه:

– والبيضة، ماذا عنها؟

تقلّصت ملامح وجهه الجاف، وغلبتها صفرة شاحبة من الذبول والحنق، وقال مدّعياً الثبات:

– أعتقد أنك تريد أن تتخلّص مني… ولكنّي لن أسمح لك بذلك.

فتدخّل الخادم بنبرة ترفع عنه شيئاً من التهمة:

– لقد نحفتَ جداً يا سيدي، فلم أرَ من بدّ سوى تنبيهك لذلك.

ردّ عليه السيد بغضب:

– وهل اشتكيتُ أنا لك قط؟! لا أريد أن أغيّر شيئاً من عاداتي مهما حدث، أنت تعلم أنّ الصحة هي الثروة الحقيقية بالنسبة لي… هل فهمت؟

اكتفى الخادم بالصمت، متجنّباً احتدام الصدام بالكلام، فيما راح سيده يحاول أن يسترجع هدوءه ويستعيد مزاجه، آخذاً أنفاساً عميقة.

وعلى الرغم من طباعه القاسية، كانت تغلب الغلظة على معاملاته الظاهرة مع الخادم سهيل، إلا أنه كان سرعان ما يثوب إلى رشده، ويفتعل ابتسامة ودّية تنم عن اعتراف بالمحبة، فسهيل لم يكن خادمه فقط، بل رفيق هذا القصر وركيزته، وخادم والده المخلص سابقاً، وحافظ المودة المتأصلة مع هذه العائلة.

قال السيد بعد لحظة صمت:

– هل تريد أن تقول شيئاً؟

فبادر سهيل، كمن ينتظر لحظة إفصاح مدفوعاً برغبة قوية:

– أنا لا أريد إلا الخير والسعادة لأهل هذا القصر.

فقال السيد بثقة:

– وأنا سعيد، ولا شيء ينقصني.

ردّ سهيل:

– لكنها… غير سعيدة.

– من؟

– السيدة صافية… أختك.

التفت إليه بنظرة غاضبة، وقال بصرامة:

– قلتُ مراراً، ليس لديّ أخت. فلا تدعني أعلن غضبي عليك!

أجاب الخادم غير مكترث:

– لم يعد يهمّني شيء… أطلق سراحها، إنها مسكينة، لم ترَ الشمس منذ ثلاثين سنة، ألم تبصر كيف استحالت إلى هيكل بشري؟ شكلها لا يُصدّق…

ضرب بعصاه على الأرض، واندفع من كرسيه واقفاً، وقد اتضح موقفه من المسألة، وصرخ بصوت محتد:

– أنت تصرّ على إفساد حياتي إذاً! لن أسمح بحدوث هذا… من الأفضل أن أتخلص منك!

ثم تغيّرت ملامحه فجأة، وأطلق ضحكة هستيرية قوية، استمرت للحظات، كانت تلك الضحكة تغافله كلما شعر بالاستياء، ثم سقط إلى كرسيه مرة أخرى، كما تسقط دمية خشبية من يد طفل.

أقيم حفل زفاف فخم، تحلى فيه القصر بأبهة لا نظير لها، بذل فيه السيد “دُقرم” كل ما يملك ليصبح حديث الناس، كعادته كل عام، وتزوج من “جميلة”، ابنة العمدة، متقدماً نحو حياة ينتظرها، واضعاً قدماً تدبّ نحو السعادة، وحلماً قديماً ما زال يتقلّب في قلبه.

لكنه أخفى سرّه الأكبر: أخته “صافية”، التي ظل يحتجزها في جناح ما في القصر، يزورها أحياناً، ويأمر سهيل بإيصال الدواء والطعام لها، أقنع نفسه بأنها مريضة، ولا حق لها في الميراث، خشي على ثروته، وكان النظام والصرامة أساس حياته.

مرّت الشهور حتى جاء الخبر السعيد: أنجب ولداً، تعلّق به يوماً بعد يوم، وكان رفيقه في كل حين، رأى في هذا التعلّق ضرورة، بعد أن اقتنع بمرض ابنه الذي وُلد به: كان عصبياً، قليل الذكاء، بطيء الاستيعاب، ماتت والدته عندما بلغ العاشرة، ولم يبقَ له غيره.

يحضّر لهما سهيل السفرة، فيأكلان سوياً، ويتمشيان خارجاً، خطوة بخطوة، ينال الابن ما يشاء، وكان أبوه عاجزاً عن رفض أي طلب له.

لكن دُقرم استسلم في النهاية، قوة المرض أطاحت به، وانطرح على الفراش، عاجزاً، فانقلبت الصرامة إلى وهن، ولم يبقَ له من ماضيه إلا الذكريات، حتى سهيل، خادمه المخلص، لم يعد كسابق عهده، وتفكّك نظامه الصارم، ولم يتبقَ من مواعيده إلا موعد دوائه.

وفي أحد الأمسيات، تأخر سهيل كثيراً، وبقي دُقرم يترقب مدخل حجرته بعجز، لم يكن أمامه سوى ابنه، الذي كان يدور في الغرفة بلا إدراك، أشار إليه أن يُحضر له الدواء، أسرع الابن نحو الدرج، قلّبه وعبث بمحتوياته، ثم اندفع إلى القبو، يبحث ويدفع، حتى عثر على زجاجة، فاختارها ورجع راكضاً.

أفرغ الحبوب في كفه، وأعطى أباه نصفها، وأخذ النصف الآخر دون مقاومة أو إدراك.

توقف القطار، وقد وصل إلى المحطة، اندفع الناس للخروج، حتى انتبه أحدهم إلى دُقرم، المنطرح على المقعد، جسده منهك، شخيره يرتفع، صاح به بصوت حانق:

– اصحَ أيها المعتوه… اصحَ!

أفاق دُقرم من نومه مذعوراً، وعاد من سفره إلى بيته، ليفاجأ بأخته “صافية” تقول:

– خبر لا مثيل له… سنصبح أثرياء! أتتني برقية: أنا على وشك أن أرث ثروة طائلة من زوجي الراحل!

ابتسم دُقرم وقال:

– خبرٌ رائع… وحلمٌ أروع.

الجزء الأولالجزء الثانيالجزء الثالث


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق