وقفتْ عايدة تتوسط حلقة البنات، وراحت تُقسّم الأدوار فيما بينهن، وهن متأهبات لبدء لعبة لامارين المفضلة عندهن، وكل واحدة منهن تحمل بيدها حجراً خاصاً بها، والذي لا يمكن للعبة لامارين أن تكتمل بدونه.

أين اختفتْ عايْدَة.. (الثانية)

*الشّيماء خالد

إنها السابعة صباحاً.
ودُكان العم عباس في هذا التوقيت من النهار يكون فارغاً تماماً، لم تمرّ إلا ثوانٍ قليلة حتى وصلت عايدة، وبِخفة تجاوزت الصناديق الموضوعة أمام الباب ودخلت، ابتسم لها العم عباس مرحباً، لكنها كانت تقف أمامه وهي تبادله الابتسامة بذهن شارد، فيما راحت عيناها تدوران حول المكان بتأمل غير اعتيادي، كانت تتفرّس في الدكان وكأنها تراه للمرة الأولى في حياتها.

ناولها العم عباس زجاجتي الحليب وهو ينظر إليها بتعجب، سائلاً:
ـ أتحتاجين شيئاً آخر غير الحليب يا عايدة؟

لم تُجبه، وبقيت عيناها مركّزتين على علب السكاكر الكبيرة المصفوفة أمامها، تتأملها بِنهَم، ثم رفعت عينيها باتجاهه وسألته برقة:
ـ هل بوسعي أن آخذ بعضاً من هذه الحلوى؟

ضحك العم عباس قليلاً وقال:
ـ ودون الحاجة حتى إلى أن تدفعي ثمنها! خذي ما تشائين يا صغيرتي، بدون سؤال.

وكان هذا الجواب بمثابة إشارة انطلاق لعايدة، فمدّت يديها الصغيرتين إلى علب الحلوى تأخذ منها ما تشاء، تضع الكثير في فمها وتدسّ الباقي في جيب فستانها، راحت تمضغ قطع الحلوى بلهفة وفرح لا يُصدق، ثم حملت بخفة زجاجتي الحليب وركضت بهما عائدة إلى البيت.

وعندما وصلت، جعلت تدق على الباب بقدمها دقات سريعة توحي باستعجالها، وما إن فُتح الباب حتى سلّمت لأمها الزجاجتين وهي تقول بنبرة استعجال:
ـ خذي عني يا أمي، لا أريد أن تفوتني اللعبة.
فردّت أمها من خلف الباب:
ـ على مهلكِ، إني قادمة، على مهلكِ…

وما إن تحرّرت عايدة من الحِمل، حتى عادت منطلقة إلى حيث تركت صديقاتها بانتظارها، انضمّت إليهن وهي تبدو أكثرهن حماسة، كما هو الحال دائماً، تراجعت البنات قليلاً عندما رأينها مقبلةً تتقافز من بعيد ضاحكة، ولزمت كل واحدة مكانها تُمسك بالحجر متجهّزة لدورها.

همست نبيلة في ضجر للفتاة الواقفة بجانبها:
ـ لا نعلم لماذا نُتعب أنفسنا في اللعب، إذا كانت عايدة سوف تربح على أية حال.
فردّت عليها رفيقتها مؤيّدة:
ـ أنتِ محقّة، لا بدّ أن نخسر في كل مرة…

قريباً منهما، كانت لينا واقفةً مستندة إلى الحائط، تراقب عايدة في صمت بعينين حاقدتين، وقفت البنات في مجموعاتٍ متفرقة، وقد بدا أنهن مُترقّبات، خرجت نبيلة من بينهن، وكان عليها أن تبدأ أولاً.

تقدّمت بتردّد وألقت بالحجر في المربع الأول، وقفزت الأولى ثم الثانية فالثالثة، وبدا أنها موفقة حتى تلك اللحظة، لكنها أخطأت ووقفت بكلتا قدميها داخل المربع، في حين كان يجب أن تقف على قدم واحدة.

تذمّرت من خسارتها السريعة، وعادت إلى مكانها متخاذلة وسط ضحك الأخريات، سألتها صديقتها في حيرة:
ـ ماذا حلَّ بك؟
فقالت بصوتٍ خافت:
ـ لقد كنّ جميعاً يتطلعن نحوي، فارتبكت… ماذا أفعل؟

اندفعت الفتاة التالية، لكنها لم تختلف عن نبيلة، فقد خسرت كذلك، وكذلك كل من أتين بعدها، فإما أن ينفلت الحجر، أو يقفزن خارج الخطوط، أو ينزلقن، أو يتعثّرن…

عدا لينا.
كانت تفكّر طويلاً، واستعانت بحيلة صغيرة، وعندما جاء دورها، تراجعت واعتذرت متحجّجة بألم مفاجئ في ساقها، لم تكن لتقبل بالخسارة أمام عايدة هذه المرة أيضاً.

لكن لم يكترث أحد لمغادرتها، بل توجهت الأنظار كلها نحو عايدة، التي كانت تستعد للعب.

وقفت بثبات، تركّز، وتقفز بخفة ومهارة، ترمي بالحجر بدقة، فلا يخطئ هدفه، متنقلاً من خانة لأخرى بسهولة، أنهت جولةً كاملة دون خطأ واحد، وسط تصفيق البنات المشجّعات لها.

تريّثت قليلاً لتسترد أنفاسها، ثم بدأت جولة أخرى، بدا فيها الفوز محققاً.

وفي غمرة اللعب، شعرت بتغيّر الجو واقتراب المغيب، تطلّعت نحو السماء تُحدّق في الشمس، التي لم يبقَ على اختفائها سوى دقائق قليلة، لوّحت لصديقاتها سريعاً، ثم ركضت.

ركضت بسرعة أكبر هذه المرة.
وفي تلك اللحظة، كان العم عباس يقف عند عتبة دكانه يراقب، لفتت نظره عايدة، وسمع صوت خطواتها السريعة على الرصيف، راح يشاهدها تمرّ أمامه، وفجأة…

ارتسم الذعر على وجهه، وجمُد في مكانه.
رآها تختفي أمام عينيه بصورة عجيبة، وكأن شيئاً ضخماً غير مرئي قد ابتلعها، ولم يترك سوى الحجر الذي كان في يدها، وقد ارتطم بالأرض مُحدثاً صوتاً خفيفاً.

لم يكن يفصلها عن باب بيتها سوى ثلاث خطوات فقط…

بقي العم عباس مذهولاً، صامتاً، انسحب إلى داخل دكانه بهدوء، والمشهد الغريب يتكرّر في ذهنه بلا تفسير.

دارت في ذهنه تساؤلات كثيرة، لكنه لم يجد أي جواب، فعاد يُخاطب نفسه:
ـ لا بدّ وأنها مشكلتي أنا… أنا الذي رفضتُ الاستعانة بنظارة تُعينني على تحسين رؤيتي، فقد بدأ بصري يخونني مؤخراً، بالأمس فقط رأيتُ زوجتي تنشطر إلى نصفين، فوقفت عاجزاً لا أدري إلى أي نصف يجب أن أتحدث، والآن، ها أنا رأيت البنت عايدة تتبخر في الهواء… لا أعلم ماذا قد يأتي بعد ذلك، لا أعلم…

لكنه بقي حائراً، يتعجّب مما حصل، وأغلق دكانه مبكراً.

مشى على طول الطريق عائداً إلى بيته، لا يرى أمامه أحداً من العابرين، غارقاً في تفكير عميق، يُحدّث نفسه بكلام لا يسمعه غيره…

يتبع…

*شاعرة وكاتبة جزائرية تكتب في أدب الأطفال واليافعين، وقصص في أدب الرعب والفنتازيا.

الأولى الثانيةالثالثة


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق