*الشّيماء خالد
غادرَ جميع الأولاد إلى بيوتهم بعد يوم شاق من اللعب، ولم يبقَ في الشارع أحد، ولم يعد يُسمع في الأرجاء صوتٌ سوى صوت مواء القطط الحاد، الذي امتزج فيما بعد بعويلِ أم عايدة، التي عجّلت به قبل أن تسمع عن ابنتها الغائبة خبراً ما، غير ما قاله زوجها لها بيأس:
“لا أثرَ لعايدة في كل مكان.”
وكانت هذه العبارة كفيلةً بأن تُثير بداخلها موجةً هائلة من القلق والخوف.
تهافت الجيران إلى بيت عايدة فور سماعهم خبر اختفائها المفاجئ، ودارت حول الموضوع تساؤلات كثيرة، في حين لم يتوقفوا عن البحث عنها في كل ركن من الحي.
أين يمكنُ أن تذهب؟
جميعنا نعرف بعضنا البعض، ولا غريب بيننا.
لم تتعوّد عايدة على التأخر عن موعد رجوعها إلى البيت دقيقة واحدة، فكيف تختفي لساعات طويلة حتى يداهمها الليل؟
لقد غادرت قبل جميع رفاقها، فقد رأوها وهي تركضُ ناحية البيت، كما في كل مرة، قبلهم جميعاً.
كان ذلك مساءً حزيناً على الجميع، الجيران والأصدقاء، باستثناء لينا التي استاءت قليلاً، ثم شعرت بفرح غامر فيما بعد، لاعتقادها أنه قد صار من حقها الآن أن تصبح بطلة لعبة “لامارين” الجديدة.
لكن بعد غياب عايدة، لن يكون للعبة لامارين أي معنى، سوى أنها صارت مجرد بضع خطوط باهتة بيضاء مرسومة على الرصيف، ذلك الرصيف الذي يحفظُ عدد قفزاتها وخطواتها جيداً، والذي بات وحيداً من دونها الآن…
ازداد خوفُ العم عباس بعدما تسلل إليه الخبر، خصوصاً بعدما تيقّن له أن ما شهده في ذلك المساء هو الحقيقةُ التي لا يعرفها أحدٌ غيره.
ولكن… كيف يخبرهم بما رآه؟
لقد صار الأمر جدياً، يستحق المجازفة، حتى ولو قوبل بالشك وعدم التصديق.
فـ عايدة لم تظهر منذ ثلاثة أيام، وكبُر حزن أمها عليها، حتى جمَدت ثابتة في مكانها، لا تنطق سوى باسمها طوال الوقت.
مشى العم عباس إلى بيت عايدة، وألقى بما يعرفه عند والدها بالتفصيل، وهو يتحدث بنبرة سريعة ويدين مرتعشتين تصفان الحدث:
“لقد اقشعر بدني كله، وأنا أرى البنتَ قد طارت من أمامي بسرعة البرق، دون أية ضجة أو صوت.
ولم أكد ألحق بها حتى اختفت تماماً.
لم يرَ أحدٌ ما حدث غيري، لذلك يجب أن تصدقني، فلا شيء يدفعني للكذب في موقفٍ كهذا…”
كان والد عايدة يُصغي باهتمام بالغ، وهو يفكر، ثم انتفض وقال بصوتٍ صارم:
“لكني لن أتوقف عن البحث عنها… لن أتوقف.”
وها هو ذا خبرٌ آخر يُضاف إلى نقاشات أهل الحي.
البنت التي كانوا يبحثون عنها بالأمس في البيوت والأركان، اتضح أن قوة سحرية ما خطفتها وهربت بها، ما يعني أنهم لن يجدوها أبداً، حتى ولو حفروا كل شبر من الحي وهدموا جدرانه حجراً حجراً.
ولم يبقَ بأيديهم شيءٌ ليفعلوه سوى الترقب والانتظار.
عكف والد عايدة على البحث عن ابنته صبيحة اليوم الثالث، وهو يسير بعينين محمرتين من أثر السهر والدموع، ولم يترك شخصاً إلا وسأله، ولا مكاناً إلا ودخل إليه.
قضى ساعات طويلة حتى أعياه السير، فعاد بقلب منكسر، يسحب رجليه بثقل إلى بيته، وهو يتصبب عرقاً تحت الشمس.
رمى بنفسه عند الباب، وجلس منهزماً، وقد بدا أنه قد فقد آخر أمل لديه.
انتظر لدقائق على هذه الحال وحيداً، وإذا بـ ظلٍّ أسود ينعكس على الأرض أمامه.
رفع عينيه نحوه في غير اكتراث، فرأى عجوزاً يقف عنده.
استغرب من شكله ومنظره الجديد عليه، فلم يستطع أن يقول شيئاً، واستمر في صمته، غير أنه شعر بشيء من الارتياح، ووجد نفسه يبتسم على رغم حزنه، بغير إرادةٍ منه.
ومن خلال هيئته ونظرته الهادئة، بدا له هذا العجوز رجلاً حكيماً يطالعه بثقة وحزم.
جلس العجوز بجانبه واقترب منه ليهمس له:
“لا أعتقد أنهم سيُعيدوها إليك.”
أمعن والد عايدة النظر فيه، وقال بصوت قوي:
“من؟ ماذا تقصد؟”
واصل العجوز حديثه بصوت هادئٍ واثق:
“أقصد أولئك الذين أخذوا ابنتك،
لكن… بإمكانك استرجاعها.”
راح يُصغي إليه في دهشة، بينما واصل العجوز قوله:
“فقط قف حيث كانت تركض، في نفس المكان ونفس الساعة،
لكن لا تزد دقيقة واحدة ولا تتأخر.
ستراها تركض باتجاه البيت.
أسرع نحوها، مدّ ذراعك واجذبها إليك.
ولكن احذر…
إياك أن تلتفت خلفك.”
ركب والد عايدة الذعر، فوقف في مكانه مشدوهاً، وسأل العجوز الذي كان ما يزال جالساً في سكينة:
“أخبرني من هم؟ من هم هؤلاء؟”
فأجابه بذات الثقة:
“ليس بوسع أحد أن يعرف.
كما أنه يستحيل رؤيتهم أو الشعور بوجودهم.
عفاريت؟ أم أشباح؟
لا أحد يعرف.
فقط افعل ما أمليته عليك.
سيمرّون من هنا اليوم أيضاً، وابنتك ستكون معهم.
فقط افعل ما أمليته عليك.”
ثم نهض العجوز بخفة، والتفت إلى الخلف، عائداً من حيث أتى.
وكالعادة، كان العم عباس عند دكانه يشاهد ما حدث بحرص، ثم لاحظ انصراف العجوز الغامض، فهرع نحو والد عايدة يستفسر عمّا يجري.
وقبل أن يقول شيئاً، جاءه سؤال صارم وجاد:
“في أيّ ساعة رأيت عايدة آخر مرة؟ بالضبط…”
تردد العم عباس لبرهة، ثم قال:
“أذكرُ أني رأيتها في تمام الساعة السادسة وعشرين دقيقة.”
“وكم الساعة الآن؟”
“الخامسة، ولكن… لمَ السؤال؟ ما الخطب؟”
ارتبك العم عباس، وراح يلتفت حوله في كل الاتجاهات، وهو لم يفهم من كلام والد عايدة شيئاً، غير أنه وجد أنه من الأفضل أن ينتظر.
وبهيئة المستعد، وقف والد عايدة أمام باب بيته، وإلى جانبه العم عباس في قلقٍ ظاهر.
مرّ الوقت ثقيلاً وكأنه يتعمد ذلك، وكلاهما يُطالعان ساعة اليد التي بحوزة العم عباس بين اللحظة والأخرى، إلى أن حان الوقت المنتظر، بالضبط الدقيقة المنتظرة.
الساعة تشير إلى السادسة وتسع عشرة دقيقة.
حوّل والد عايدة بصره هنا وهناك، وقبل أن يلتفت إلى الأمام بثبات، اندهشَ من منظر ابنته، وهو يراها تركض بسرعة، وابتسامتها مرتسمة على وجهها.
فلم يُبالِ بقلبه الذي اضطربَ داخل صدره، وكتم صوته الذي ألحّ عليه بالصياح باسمها عالياً.
ودون أن يفكر، اندفع بكل شجاعة ناحيتها، مادّاً ذراعه إليها، ثم بمسكة قوية سحبها إليه، فتكوّمتْ في صدره مغمضة العينين، ولم يعد يسمعُ شيئاً، سوى صوت أنفاسها الحارة المتسارعة بالقرب منه…
يتبع…
*شاعرة وكاتبة جزائرية تكتب في أدب الأطفال واليافعين، وقصص في أدب الرعب والفنتازيا.


أضف تعليق