إسراء سلامة

كانَ جسدُه كعودِ ثقابٍ لم يُشعل بعد،
لكنّ، الريحَ كانت تعرفُه جيداً.
تمسكُ أطرافَه كأنها تريدُ أن تمحوَ أثره من الهواء،
وهو، رغمَ هزالِه، يمضي…

يُحاكي الأرض بخطاه المرتبكة،
يحمل شيئاً أثقل من يومه،
شيئاً لم نره،
لكنّ الضوءَ الخافت الذي كانَ يتدلّى من عينيه
كان يُخبرنا:
إنه يحمل أمّه،
وأختَه،
وبيته الذي تهدّمَ وبقي عالقاً في ذاكرتهِ مثل رائحة خبز لم يكتمل نضوجه.

الناس تمرُّ من جانبه،
تحمل حقائب، هواتف، أو لا شيء.
وحدهُ كان يحمل نداءً صغيراً، لا يسمعهُ إلا من أصغى بقلبه.
في داخله شمعةٌ،
تشبُّ في العاصفة،
لا ليهزمها،
بل ليقول لها:
أنا هنا، لم أنطفئ بعد.

قال له رجلٌ مرَّ بجانبه:
“أين أهلك؟”
توقّف الطفل لحظة،
كأنّ الريح توقّفت معه،
ثم رفعَ رأسه:
“صاروا غيماً.
صاروا شيئاً لا تحمله الأرض،
لكنّه ينزل مطراً حين أبكي”.

لم يطلب شيئاً.
لم يسأل.
لم يتسوّل حناناً،
كان يمشي على حافة الغياب،
ويحرسُ في قلبه فتيلةً صغيرة،
هي ما تبقّى من كلّ هذا الوطن.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق