يوسف هلال
كان يرى أنه فوق القانون، بالرغم من أننا جميعاً متساوون على هذه الأرض، فلماذا يفعل ذلك؟
كان كل شيء يبدو هادئاً تلك الليلة، وكما يقولون: “الهدوء الذي يسبق العاصفة”.
كان الجميع نائماً: الزوجة والأطفال، وبقيتُ وحيداً في مكتبي أُنهي بعض الأعمال الكتابية.
دقّ جرس البيت.
انتبهتُ لهذا الأمر، من الذي يمكنه أن يأتي في مثل هذه الساعة؟ إنها تُقارب الواحدة فجراً.
نهضتُ عن الكرسي، وذهبت باتجاه الباب، تفحصتُ القادم من خلال العين السحرية.
كان ضابطاً، ولماذا أتى؟
هكذا دار في خاطري: إن كان هناك شيء، فيكفي أن يبلغوني بالحضور في ساعات النهار.
أما الآن، فهذا شيء عجيب.
قلت ربما شخص مجنون ينتحل شخصية ضابط، لم يحدث من قبل، لكن وما يُدريك؟
ربما، فكلّ شيء ممكن.
لكن، سرعان ما تبخّرت هذه الفكرة من رأسي.
عدتُ ثانية إلى وساوسي:
لماذا حضر؟ وماذا يريد؟
في مثل هذا الوقت، يكون الناس نياماً.
أخذتُ أتفحصه من جديد.
يلبس بدلة، وبكامل أناقته، سلاحه على جنبه.
هذا طبيعي، إن كان سيحمله في يده، فهذا يعني أنّ هناك من سيُقاوم، وبالتأكيد هو يعلم ذلك.
لكنني لستُ من هذا النوع، لا شك أنه يعلم ذلك.
وأخبروه أنّ المواطن فلان الفلاني – والذي هو أنا بالطبع – لا يُجيد حمل السلاح.
ربما أمسك كرسياً أو عصا، هذا إن قررتُ المقاومة.
لكن، لماذا سأُقاوم؟
أنا لم أفعل شيئاً.
جالس في بيتي، مع زوجتي وأولادي، لم نتعرض بالأذى لأحد، فلماذا يأتي الضابط إليّ في مثل هذا الوقت؟
دارت الأفكار كزوبعة عاتية في رأسي، وكأنّ زلزالاً قد ضرب الأرض التي أقف عليها.
ولم أتوقف إلا مع دقة الجرس ثانية.
حينها فقط، استفقتُ من خيالاتي، كأنّ أحدهم صفعني على وجهي.
“هي أنت.. افتح أيها الأبله!”
هكذا دار في عقلي.
ففتحتُ الباب.
كان وجهه عابساً، ربما لأنني تأخرت عليه.
وهذا حال أي كاتب… لا بد أن يُشرّح الحدث، ويذهب به إلى الجحيم، لو تطلب الأمر، فقط ليمارس متعته في تخيّل الموقف.
وفجأة، ظهر أربعة أشقياء، خلف الضابط، يلبسون ملابس أمن.
بالطبع أقل رتبة منه، فهو كبيرهم، وهم قادمون لتنفيذ أمره.
ربما كان الضابط، وهؤلاء الأشقياء معه، جالسين بلا عمل، فأراد أن يكسر الملل.
أخبرهم أنّ هناك طلب جلب مواطن، يجب أن نعتقله.
وأظنهم ابتسموا بخبث.
“مواطن”؟
مسكين هذا المواطن!
لا يهم ما هي وظيفته، فكلهم سواء، ويجب على الضابط أن يُروّح عن نفسه.
أظنه فتح أحد الملفات، فوجد اسمي في الأعلى.
ربما كنتُ على القائمة، لكنهم تكاسلوا خلال الفترة الماضية عن تبليغي بضرورة الحضور إلى مركز الأمن.
فهناك شكاية عليّ!
هذه الأشياء يفعلها المواطنون في العادة:
يُسببون الإزعاج، وشيئاً من تعكير المزاج العام، وغيرها من القوالب الجاهزة.
آه.. يا لهذا المواطن الأبله، الذي يفعل ذلك باستمرار، ولا يتوقف عن التذمّر، أو حتى إبداء الرأي في شأن عام.
وهو مواطن! وما دخله بهذا الشأن!؟
حقاً، هو يستحق ما جنت يداه.
لم يُمهلوه طويلاً.
اقتادوه من ياقة قميصه، مثل قطعة قماش قديمة، وعندما حاول أن يسأل عن السبب، لطمه أحدهم.
لا تعرف من!.
وأُغلق الباب خلفه.


أضف تعليق