يوسف هلال

كانت الطريق ترابية، والركام يحيطها من كل جانب، ليس هناك مَعْلم يدلّ على أنّ حياةً كانت هنا ذات يوم، سوى الحجارة، وكأنها قطع بازل، تبحث عمّن يجمع شتاتها ليعيد لها الحياة من جديد. لكن ذلك لن يحدث الآن… فالحرب لا تزال قائمة، ولا أحد يعلم متى ستنتهي.

الناس ينزحون من كل المناطق؛ من الشمال والجنوب، من الشرق والغرب، لم يعد هناك مكان يمكن الاستقرار فيه، في الماضي، كان هذا أشهر شوارع غزة: شارع عمرالمختار، الذي يبدأ من ميدان فلسطين وصولاً إلى ساحل الشاطئ، أنشئ في عهد جمال باشا خلال الحرب العالمية الأولى، أما اليوم، فلم يتبقَ منه سوى الذكرى.

في إحدى جولاتي للبحث عمّا نسدّ به رمقنا، صادفتُ فتى يحمل كيس طحين، كان مزيج الفرح والدموع واضحاً على وجهه؛ يحاول، بكل ما أوتي من طاقة، أن يحمل هذا الكيس إلى أمه، عرضتُ مساعدتي عليه، لكنه شكرني بحرارة وقال إنه يُفضّل حمله بنفسه، بدا واضحاً أنّ الكيس أثقل من وزنه مرتين، ومع ذلك، كان مُصرًّا أن ينجز هذا الأمر وحده.

قلتُ في نفسي: “ما الذي يعانيه هؤلاء الأطفال؟ أي ذنب اقترفوه ليحملوا مثل هذه الأعباء؟”
سِرتُ بجانبه، كنت أحمل كيس طحين مثله، لكني أختلف عنه؛ فأنا رياضي، مفتول العضلات، في الخامسة والعشرين من عمري، بينما هو طفلٌ بالكاد يبلغ الثانية عشرة، جسده هزيل، ونظراته منهكة، ومع ذلك، كنتُ أشعر أنه أقوى مني، كان مصمماً على أن يحمل الكيس وحده، وسعادته بذلك لم يعادلها شيء، كأنما الدنيا بأسرها بين يديه.

سألته: “وأين والدك؟ إخوتك؟”
توقف فجأة، وظهرت ملامح الحزن على وجهه، وبعد لحظة من الصمت، قال:
“لقد استشهدوا، في بداية الحرب، سقطت قذيفة على بيتنا فدمّرت كل شيء، بقيتُ مع أمي وأختي الصغيرة، مات أبي، وإخوتي عاصم وسلمان ومحمد… كانوا جميعاً أكبر مني.”

ثم تابع بصوت هادئ:
“الله يحبهم… كنتُ أردد في نفسي، وهذا من وساوس الشيطان: ماذا لو مِتنا جميعاً؟ لارتحنا من هذا العذاب، لكنها إرادة الله، ونحن نحب ما يريده الله.”

في تلك اللحظة، شعرتُ أنّني لا أقف أمام طفل صغير، بل أمام رجل تجاوز السبعين، يُلقي عليّ دروساً في الصبر والحكمة، كانت الحياة قد نضجت بداخله قبل أوانها.

عاودتُ عرض المساعدة عليه، لكنّه أصرّ على الرفض، أذهلني ذلك الطفل… بل الرجل، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

🏆 مسابقة القصة القصيرة – أغسطس 2025


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق