يوسف هلال

يسير الناس كالأشباح، وجوههم باهتة، لا كلمة تُقال، ولا معنى يُنتظر، ويتساقط الناس من الجوع كتساقط الفراش حول النار، لا أحد يملك رغيف خبز واحد أو قطعة منه يسد بها بطنه التي تُقرقر وكأنها قِدر يغلي، الجوع مثل وحش لا يرحم أحد، يأكل ضحاياه باستمتاع، يتلذذ على آهاتهم، ومحاولاتهم الهرب منه، ليبقوا على قيد الحياة، ينظر إليهم بسخرية، إذهبوا أينما شئتم، إن لم تموتوا بالجوع، فستقتلكم رصاصة هنا أو هناك، الموت واحد حتى لو تعددت الأشكال!

لم يدُر بِخَلد أحد منا أنّ سكان هذا الكوكب سيقفون صامتين، يتفرجون على سقوطنا مثل قطع الدومينو، يروا موتنا البطيء، دون أن يُكسر هذا الحصار، ويفعلون شيئاً، يُمررون الطعام والماء، لنبقى على قيد الحياة، ليُبدوا شيئاً من التعاطف أمام هذه المحرقة، نريد أن نبقى على قيد الحياة لنواصل بقائنا هنا على هذه الأرض، فهي لنا، وستبقى.

وبينما أنا أرقبُ الشارع الذي صار كقبْر مفتوح، وقعت عيني على فتى بدا كأنه تجسيد للمأساة… أسند ظهره للجدار، ضم قدميه إلى صدره وأحاطهما بكلتا يديه، كان شارد الذهن، ينظر للاشيء، ليس هناك ما يُثير اهتمامه، وجهه شاحب، أصفر، وكأنه خرج من الجحيم، تلك اللحظة، بقيتُ أنظر إليه، قلتُ في نفسي: “ما له؟”، أعرف جيداً معنى تلك الكلمة، في مستنقع الموت، غزة أصبحت مثل حفرة عميقة تُلقى بها الأجساد المتعبة من الحياة، كي تموت بصمت، لا يجب أن تُعكّر صفو أحد، فهذا شأنها وحدها، وعلى العالم أن يعيش بهدوء!.

اقتربتُ منه، جلست بجانبه، “ما بك يا بني؟”، في غزة، الأطفال دائماً يدفعون فاتورة الموت الذي لا مفر منه، حروب وراء حروب، ربما هذه الحرب الخامسة أو السادسة، في أقل من عقد من الزمان، عدا عن الحصار والتجويع الذي يتبعه الاحتلال، حياة الناس في غزة شيء من الأساطير، لا يمكن للبشر جميعاً أن يُطيقوا سماعها، فهي ثقيلة، ولا تحتملها النفس، ربَتّ على رأسه، وأخذت دمعة تسقط من دون إذن مني، عيناه مثل صحراء جامدة، لا ماء فيها، ما هذا الجَلَد؟ أو هكذا ظننته، لم ينتبه لي، وكأنني غير موجود أصلاً، “ما بك يا بُني؟”، أعدتُ نفس الكلمات، لأنه لم يكن يحضرني غيرها، وكأنّ قاموس الكلمات توقف عن هذا الحد، ما الذي تعنيه الكلمات حقاً، هل تعكس ما نحن عليه، وهل تستحق أن نطلق لها العنان لتفضح صمتنا، ونموت بقهر.

“ذهب كل شيء”، وانفجر الفتى بالبكاء، انهمرت الدموع كشلال تفجّر للتو، وفاجىء الجميع، “ذهب كل شيء”، أعادها مرة تلو أخرى، بدون توقف، حتى غاب صوته، مثل آخر زفرة في صدر مدينة تموت ببطء.

🏆 مسابقة القصة القصيرة – أغسطس 2025


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق